السبت، 2 يوليو، 2011

وعاظ التخدير السياسي






يلجأ الكثير من الوعاظ الإسلاميين والعلمانيين إلى تحميل الناس وزر التخلف الذي تعيشه
مجتمعاتهم، ويمارسون الجلد في حق هؤلاء الناس الذين هم في غالب الأمر ضحايا لسلطة فاسدة، استطاعت أن تفسد كل شيء في البلاد والعباد، في ذات الوقت يتجنب هؤلاء الوعاظ الحديث عن فساد السلطة إلا بكلام فضفاض.. تبرئة للذمة!


الواعظ الإسلامي يُرجع تخلف المجتمع وفساد السلطة فيه إلى ذنوب أفراده ومعاصيهم، وبُعدهم عن الله، وسوء أخلاقهم، وعدم استقامتهم، فيرسم لهم طريق الخلاص من واقعهم السيئ بالاجتهاد في الطاعات، وترك الذنوب والمعاصي.. عندها فقط يصلح أمر السلطة!


أما الواعظ العلماني، فيكيل الاتهامات إلى عقلية أفراد المجتمع وتخلفهم في الفكر والسلوك، فطريق التغيير عنده يكون بتغيير العقليات، والسلوكيات المتخلفة للأفراد، الذين لا يحق لهم أن يتحدثوا عن انحرافات السلطة، حتى يتخلصوا من تخلفهم العقلي والسلوكي، في مقابل ذلك يتجنب كلا الطرفين الحديث بشكل مباشر وصريح عن فساد السلطة، ودورها في إفساد أخلاق الناس ودينهم، وعقولهم وسلوكهم.


هذا الكلام يجرنا إلى الحديث عن إشكالية "التأثير والتأثر بين الفرد والسلطة" فمن الذي يؤثر في الآخر؟ وهل فساد السلطة هو انعكاس لفساد الأفراد؟ أم أن فساد السلطة وسوء إدارتها هو الذي يوجِد الفساد بين الناس؟!


في البداية لا بد من التأكيد على عدم خلو أي مجتمع من فساد بين أفراده، مهما كان هذا المجتمع صالحا، وسلطته ملتزمة، فالفساد موجود ما دام الإنسان - بكل نقائصه وغرائزه- موجودا، لكن حديثنا هنا عن تجاوز الفساد للحد الطبيعي بحيث يصبح هو الأصل الذي يتطبّع عليه المجتمع، وربما يبرره ويشرعنه.


هذا التأكيد يجعلنا نفوّت الفرصة على أولئك الذي يجعلون من مجرد وجود الفساد الطبيعي بين أفراد المجتمع ذريعة لوقوفهم في وجه أي دعوات للإصلاح السياسي، بحجة أنه لا بد للمجتمع أن يُصلِح نفسه، ويتخلص من عيوبه ونقائصه، بعد ذلك يمارس الدعوة للإصلاح السياسي، متناسين دور السلطة في تحجيم الفساد ومحاصرة الانحراف.. نعم ربما لا تكون السلطة هي مُنشىء هذا الانحراف في كل الأحوال، لكن مجرد سكوتها عنه يُعد بمثابة الضوء الأخضر الذي يعطيه قبولا بين الناس.. هذا إذا لم تمارس السلطة دورا فعليا في إيجاده ونشره وحمايته كما هو الحال في كثير من الأحيان.


يستدل هؤلاء الوعاظ بالأثر المشهور الذي يقول: "كما تكونوا يولى عليكم"، ورغم أن هذا الأثر لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في سنده انقطاع، إلا أن معناه – على افتراض صحة سنده – يختلف تماما عن مقصود من يستدل به؛ فهذا الأثر يُفهم على أنه يفترض في السلطة والولاية أن تكون تعبيرا حقيقيا عن إرادة الأمة، بحيث تكون السلطة انعكاسا لهذه الإرادة، بينما لا يكاد يوجد في العالم العربي – الذي أدمن على هذا الأثر – سلطة تعبر بصدق عن إرادة الأمة دون تزييف أو تحريف، فإذا كانت السلطة هي التعبير الحقيقي عن إرادة الأمة فهنا فقط يحق لمدمني هذا الأثر أن يستدلوا به.


إن التخلف والانحراف الذي تُنشئُه السلطة ينسحب حتى على تفسير النصوص، بحيث تصبح داعمة لهذا الانحراف، بينما يمكن فهم هذا الأثر بأنه يدعو إلى عدم الرضى بالانحراف، فـ (كما تكونوا) في قبولكم وسكوتكم ومتابعتكم للفساد (يوَلّى عليكم) من يسايركم ويقبل بما تقبلون، فهذا النص فيه توجيه إلى عدم الرضى والقبول، وهو مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكون أمراءُ، فتعرِفون وتنكِرون، فمن عرف بَرِىء، ومن أنكر سَلِمْ، ولكن من رضي وتابع" رواه مسلم، فالإثم والعقوبة على من رضي وتابع – كما قال النووي- وذلك لأنه يكرس الفساد، ويعزز الانحراف، فكان الواجب الرفض والإنكار والتقويم.


إن الذين يستدلون بهذا الأثر، ويتشبثون بالفهم المغلوط له يتجاهلون قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – في البخاري - عندما سألته امرأة: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللهُ به بعدَ الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامَت بكم أئمتُكم، فعلّق -أبوبكر- استمرار الصلاح في الناس على صلاح الأئمة والأمراء.


إن الفساد إذا عَمّ، وأصبح مُمَنهجا، وخرج عن حده الطبيعي الذي تحتمه الطبيعة البشرية، وأصبح له رُعاة ودعاة، فإن السلطة السياسية هي المسؤول الأول عنه، ولا يمكن تبريره بقابلية الناس له؛ لأن هذه القابلية ستظل موجودة ما دام النقص البشري موجود، والنفوس البشرية لا تنقاد فقط بالوازع الداخلي، فإن الله يزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. كما قال عثمان بن عفان .


لقد أدرك السلف (الصالح!) أن فساد المجتمع هو انعكاس طبيعي لفساد سلطته الحاكمة، فعندما جيء بالغنائم الثمينة من بلاد الفرس ووُضعت أمام الخليفة عمر بن الخطاب، تعجّب من أمانة الجند الذين أوصلوا هذه الغنائم، فقال: إن قوما أدوا هذا لذَوو أمانة، فرَدّ عليه علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين إنك عففت، فعفت الرعية، كما كتب عمر بن الخطاب في إحدى وصاياه: إن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا.


رجائي أن يكف محترفو الوعظ الديني والعلماني عن جلد مجتمعاتهم، وتحميلها أكثر مما تحتمل، وأن يوجهوا تلك السياط إلى مكانها الصحيح على ظهر السلطة، وأن يدركوا جيدا قول علي بن أبي طالب: الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم في التمثيل والتلقي والتقليد.




ملاحظة: تم نشر هذا المقال في جريدة سبر الالكترونية



- Posted using BlogPress from my iPad

الأحد، 27 مارس، 2011

المناعة الثورية



بسبب الطريقة الواحدة الغبية التي تستنسخها الأنظمة في مواجهة الثورة المباركة، تشكلت لدى
الشعوب خبرة جيدة في كيفية التعامل مع هذه الأنظمة الفاسدة، التي لاتتورع عن استعمال كافة الوسائل من أجل الإبقاء على نفسها لفترات أطول.

الطريقة في مواجة الثورة كانت واحدة، مما يوحي بأن العقليات الاستبدادية تفكر بطريقة متشابهة مهما اختلفت الظروف، هذا التماثل في التعامل ساهم في بناء وعي ثوري أكسب الشعوب مناعة عالية ضد الألاعيب التي تمارسها الأنظمة في الإلتفاف على مطالب الشعوب، وتنوعت صور وأشكال هذه المناعة:

١- مناعة ضد دعوات الحوار التي تطلقها الأنظمة في الوقت الضائع، فبعد أن تجاهلت شعوبها لعقود طويلة، تسارع الآن لتقديم عروض الحوار بمجرد أنها استشعرت أن الشعوب جادة في تحركاتها.

إن الأنظمة عندما تدعوا للحوار بعد أن تنطلق رصاصة الثورات، فإنها تسعى لكسب الوقت، ولزعزعة صفوف المعارضة عبر الإغواء والإغراء، وللحفاظ على ماتبقى لها من مشروعية في نفوس الناس، لكن ذلك كله لم يعد ينطل على وعي الثوار بحقيقة هذه الدعوات التي فات أوانها.

يقول جين شارب، وهو أحد أهم المنظرين للثورات السلمية: إن عرض السلام من خلال التفاوض مع الحركات الديمقراطية الذي تتقدم به أنظمة الحكم الدكتاتوري هو عرض خدّاع.

ويقول أيضا: عندما تكون المعارضة قوية، ويكون النظام الدكتاتوري فعلا مهددا، نجد أن الحكام الدكتاتوريين يسعون وراء التفاوض لكي ينقذوا أكبر جزء من الثروة التي لازالت بين أيديهم... وعندما تكون الدعوة أيضا إلى المفوضات في وقت تكون فيه قضايا الحريات السياسية على المحك، فقد تكون هذه الدعوة محاولة من الحكام الدكتاتوريين لجر الحركات الديمقراطية نحو الاستسلام بطريقة سلمية، بينما يستمر العنف لديهم.

تحدث المؤلف بشكل مسهب، وفي فصل كامل عن (مخاطر التفاوض)، فبالإمكان الرجوع إليه في كتابه (من الدكتاتورية إلى الديمقراطية.. إطار تصوري للتحرر) ص٢٥ إلى ص٣٣


٢- صار ت هناك مناعة ضد الخطاب الديني المزوّر، الذي استمرأ التبرير للطغيان، ومصادرة حقوق الناس تحت ذرائع يغلفها بغلاف الشريعة، فيسكت عن ظلم الظالمين، ويمنع المظلومين أبسط صور المعارضة.

بحمد الله تم الشعوب تجاوز هذا الخطاب بعد أن تكشّف وتعرى، ولم يعد يملك مايستر به عورته، فلم يعد مثل هذا الخطاب يقف حائلا بين الشعوب وبينها حقوقها التي كفلتها القانين السماوية قبل الأرضية.
وقد أسهبت في تناول زيف هذا الخطاب على هذا الرابط: هنا وهنا أيضا


٣- تشكلت أيضا مناعة قوية في مواجهة الإعلام الحكومي الذي هو في حقيقته لايمثل الدولة بكل مكوناتها بقدر مايمثل الأنظمة الحاكمة، التي استغلته لضرب كل من يعارض النظام ، بأساليب غير أخلاقية.
هذا الإعلام الذي امتهن التضليل والتزييف، والتلاعب بالحقائق صار مثار سخرية الناس وتندرهم، فلم تعد له أي مصداقية أو اعتبار في وعي الجماهير .

٤- صارت عند الثوار منعة قوية ضد الاتهام بالعمالة، هذه التهمة التي استعملتها كل الأنظمة المتساقطة لضرب مصداقية المتظاهرين، الذين أيقنوا أن هذه الأنظمة ما كان لها أن تستمر هذه السنوات الطويلة لو لم تكن هذه التهمة ثابتة عليها، وصار يصدق عليها المثل العربي: رمتني بدائها وانسلت !

٥- تشكلت عند الشعوب مناعة قوية ضد الحلول الترقيعية التي تلجأ إليها هذا الأنظمة بعد أن تشعر بأن الشعب تحركت بجدية لإسقاط تلك العروش المتهالكة، حيث تقوم الأنظمة في هذه الحالة بتقديم بعض التنازلات كإطلاق المعتقلين، وزيادات شكلية في هامش الحريات، وتوزيع مايسمى بالمكرمات المالية، وتوفير فرص وظيفية.. إلخ
مثل هذه الإجراءات لم تعد تمثل للشعوب شيئا - رغم حاجتهم لها - بعد أن أدركوا أنها تمثل نوعا من التخدير، وأن المشكلة تكمن في الرأس الذي يجب أن يُستأصل !

هذه المناعة التي تمثل جرعة لا يستهان بها من الوعي هي أحد حسنات تلك الثورات المباركة.. فإلى المزيد



- Posted using BlogPress from my iPad

الجمعة، 25 مارس، 2011

خطاب اللحظة التاريخية.. البغي نموذجا



من أخطر الإشكاليات التي أبرزتها بوضوح الأحداث الأخيرة في العالم العربي: عدم قدرة البعض ممن يحمل الخطاب الإسلامي على التعامل مع الأحداث بعقلية تجمع بين التأصيل الشرعي العميق، والفهم الواقعي الدقيق، فما زال البعض يتمسك بفهم تاريخي للنصوص التي لها ارتباط في أبواب السياسة الشرعية، فيقوم بإسقاط تلك النصوص بفهمه التارخي الجامد على واقع مغاير ومعقد ومتشعب ومليء بالتفاصيل، فيخرج الخطاب بشكل مختزل وسطحي، بعيد عن الواقع وعن روح الشريعة ومقاصدها !

فاستعمال مصطلحات مثل: الإمام، ولي الأمر، أهل البغي، الخوارج، أهل الحل والعقد.. إلخ، فيه الكثير من التجاوز على الواقع وعلى المضامين الحقيقية لتلك المصطلحات، واشتراطاتها الشرعية، وقفز على سياقها التاريخي، الذي من الضروري أن يكون حاضرا لفهم حقيقتها.

مثل هذا النوع من الخطاب الذي يستعمل المصطلحات الشرعية والفقهية في غير موضعها ومحلها، ،إنما يفتن الناس عن دينهم، ويصرفهم عن الأخذ منه، ويزعزع ثقتهم به، فيرفضوه جملة واحدة؛ لأنه يقف حائلا بينهم وبين رفع الظلم عنهم، ولأنه عاجز عن التفاعل مع حياتهم ومتطلباتهم، فهو خطاب وقف عند لحظة تاريخية معينة، ولم يتجاوزها إلى اللحظة الحاضرة.

وكمثال على ماذكرت فقد تردد في الفترة الأخيرة ذكر مصطلح (أهل البغي) أو (البُغاة) وأُطلق على المحتجّين في البحرين، في سياق تبرير التعامل الأمني مع هذه الفئة، وبصرف النظر عن الاصطفاف المقيت الذي أفرزته تلك الأحداث فإن الزجّ بذلك المصطلح الشرعي فيه نوع من التدليس والتلبيس، فبالإضافة إلى التجاوز في استعماله في هذه الأحداث، فإن من استعمله لم يرجع إلى اشترطاته الفقهية

فالفرقة الباغية كما عرفها الفقهاء:هي فئة من المسلمين خرجت على الإمام الحق الذي يجمع كلمة المسلمين، واتفقوا على إمامته وبيعته، وقد نص الفقهاء أيضا على شروط أخرى يجب توافرها في الإمام الحق، لذلك يذكر المالكية أن يزيد بن معاوية لم يكن إماما للمسلمين؛ لأن أهل الحجاز لم يسلّموا بإمامته؛ لظلمه، وبذلك فإن البغي لا يكون إلا على إمام شرعي مستجمع لصفات الإمامة التي ذكرها الفقهاء، وليس إماما طاغوتيا - كما يقول الشوكاني - فالخارجون على أهل الجور والظلم، المعطلين لشريعة الله لايسمون بغاة.

وقد سُئل الإمام مالك رحمه الله: هل يُقاتل الناس مع الإمام الفئةَ الخارجة؟ قال: إن كان الإمام مثل عمر بن عبدالعزيز، وجب على الناس الذب عنه والقتال معه، وأما غيره فل،ا دعه وما يُراد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.

فالقتال مع الظالمين هو نوع من الركون إليهم، الذي نهى الله تعالى عنه فقال: {ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.

وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله الخلل الذي يقع فيه من يدعي الفقه والعلم في الدين، فيحكم ببغي كل من خرج على أي حاكم، وعاب عليهم هذا الخلط، فقال: تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور، ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم، بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة، وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم على نظرائهم، مدعين أن الحق معهم. مجموع الفتاوى ٤٥١/٤

إن مقارنةً بسيطة بين ما ذكره العلماء حول قضية البغي، وبين الواقع، يتضح مدى العبث الذي يُمارس باسم الخطاب الشرعي، لإضفاء الشرعية على كل الإجراءات الحكومية التي تمارس ضد خصومها، سعيا لإسقاطهم والقضاء عليهم، بغطاء شرعي مزيف






- Posted using BlogPress from my iPad

الأحد، 20 مارس، 2011

مشروع موحّد.. لمواجهة الأجندات الخارجية






{إن هذه أمتكم أمةً واحدة}


من أبرز التحديات التي تعيشها منطقة شبه الجزيرة العربية أنها تقع تحت تنازع مشروعين خطيرين لايعبران تعبيرا حقيقيا عن هوية أبنائها، وهما المشروع الأميركي، والمشروع الإيراني، فيما يعتقد الكثيرون أن هناك تفاهمات بين هذين الطرفين تتم في الخفاء، من أجل تقاسم النفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة !!

أيّا كانت العلاقة بين هذين المشروعين فإن الخاسر الوحيد هو هذه المنطقة الاستراتيجية التي تمتلك مقومات هائلة قادرة على أن تجعلها ذات شأن عالمي، إذا ما تم استغلالها بشكل صحيح، في إطار مشروع موحد، على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري

في ظل هذه المشاريع الخارجية لا خيار أمام دول الخليج العربي إلا أن تعمل على تأسيس قدر من الوحدة الحقيقية والفاعلة - أيا كان شكلها - تؤهلها لأن تحمل مشروعا مستقلا عن تلك المشاريع الدخيلة، يعبر بصدق عن تطلعات أبنائها، ويوظف طاقاتها الهائلة توظيفا صحيحا، ويحفظ لها إستقرارا حقيقيا، ويؤهلها لأن تلعب دورا إقليميا وعالميا، وإلا فلا مهرب من الوقوع في شراك تلك المشاريع التي تتنازع أو تتفاهم لتكون لها الكلمة الأولى والأخيرة، ولتكون الضحية الكبرى شعوب المنطقة

ولكي تتحرر المنطقة من هيمنة المشاريع الأخرى لابد أن تتحرر إرادة شعوبها أولا، هذه الإرادة التي ارتُهنت لصالح أنظمة وراثية منعت أبناء المنطقة من أن يمارسوا حقوقهم السياسية في المشاركة في الحكم، وإدارة شؤون البلاد، وأشغلتهم في تغذية الصراعات الداخلية، وفي تخويف أبنائها من بعضهم، عبر تبادل التخوين والتفسيق والتكفير، وبذلك تضمن هذه الحكومات استقرار حكمها، في لعبة هي من أفضل ما تتقنه هذه الأنظمة، وهي لعبة " فرّق تسُد"

إن خيار المشروع السياسي الخليجي الموحّد الذي يحمي المنطقة من هيمنة المشاريع الأخرى لا يمكن أن يأتي في ظل عقلية حكم الأُسر التي ترثنا كما ترث (الأشياء)، وتتعامل في إدارة الدولة من منطلق الملكية الخاصة التي لا تقبل الشراكة، وإنما هو خيار شعوب المنطقة بعد أن تتحرر إرادتها، وتكون قادر على أن تقول كلمتها التي تعبر بصدق عنها.

من هنا كانت محاولات التصدي للأجندات الخارجية على حساب الإصلاح السياسي في المنطقة هو نوع من العبث الذي لن يحل المشكلة بقدر ما يعمّقها، فربما نخرج من أجندة طرف لندخل تحت وصاية أجندة أخرى، فما أسهل أن تبيع هذه الحكومات شعوبها من أجل الإبقاء على نفسها، مستعملة في سبيل ذلك فزاعة الأجندات الخارجية لتعزيز وتثبيت هيمنتها وسيطرتها، ولتضرب أي دعوة للإصلاح السياسي .

مطلوب من شعوب الخليج أن تعي جذر المشكلة، وأن يكون علاجها لخطر الأجندات الخارجية علاجا جذريا، لا انفعاليا، يتمثل في أن يكون للمنطقة مشروعا معبرا عنها، ينبثق من وحدة خليجية، بعد أن تتحرر إرادة أبنائها، لتكون لهم الكلمة الأولى.. وإلا فإننا سنظل فريسة لمشاريع الآخرين.




- Posted using BlogPress from my iPad

الجمعة، 18 مارس، 2011

الصعقة الثورية.. وآثارها الجانبية




جزى الله الثورات العربية كل خير، فقد كانت بمثابة الصعقة الكهربائة التي تعطى لقلب المريض بعد أن يقف عن النبض.

لقد جاءت الصعقات الثورية لكي تبث الحياة في الجسد العربي، بعد أن كان يتعفن بسبب التقرحات السريرية التي تسببتها الفترة الطويلة التي كان خلالها طريح الفراش، والأمراض تنهش جسده من كل جانب.

لقد جاءت هذه الصعقات لكي تفيقه من غفلة الوعي التي زينت له الرضى بالظلم، والسكوت عن الإذلال، وشرعنة الاستبداد، والسير في ركاب المستبدين.

مايجب إدراكه جيدا -حتى لانقع في اليأس- أن الإفاقة من الغيبوبة لا تعني كمال الصحة والعافية، بل تعني أن المريض قد تقدم خطوة إلى الأمام في طريق العلاج، وما زالت أمامه خطوات كثيرة، قد تكون أكثر صعوبة من الخطوة التي سبقت، لذلك تحتاج إلى عدة أمور:

١- عدم الجزع من ممايعقب الثورة من اهتزازت مجتمعية، أو اضطرابات أمنية، أو خلخلة في بنية الدولة؛ لأن الثورة -كما قال المستشار طارق البشري- عبارة عن مخاض، والمخاض يصحبه ألم، ويعقبه دم، وهذه طبيعة أي تغيير راديكالي في أي مجتمع.

٢- عدم المبالغة في التخلص من كل ما (ومن) له علاقة بالنظام السابق، الذي أفسد الذمم، ولوّث الأخلاق، وزيّف الوعي، واستعمل في سبيل ذلك الذهب واللهب، لذلك فالأصل هو إعذار الناس، وتفهّم ظروفهم، والأوضاع الاستثنائة التي عاشتها أوطانهم، وأستثني من ذلك المتورطون بقضايا الدماء والأموال، فالذي سفكوا الدم لابد أن يُقتص منهم، والذي سرقوا الأموال والمقدرات لابد وأن يأخذوا جزاءهم، وتُرد الحقوق إلى أهلها.

٣- تقبل الأراء والرؤى التي تختلف في كيفية صياغة الواقع الجديد، والبعد عن الإقصاء والتخوين، وكافة الأساليب التي زرعتها الأنظمة السابقة في نفوس الناس وعقولهم.

٤- الابتعاد عن الأحلام الوردية التي يصوغها الخيال في تصور المرحلة الجديدة، وإدراك أن كون هذه المرحلة أفضل المرحلة السابقة لا يعني أنها خالية من المنغصات والعقبات والهفوات والمشكلات، فالوعي بذلك يمنع من حدوث صدمة شعورية تجعل الإنسان أن ما كان لم يكن .

٥- اشتراك الجميع في صياغة الواقع الجديد، كلٌّ حسب تخصصه، ، كإصلاح العقول والأفكار والتصورات والسلوكيات العامة والنفسيات والمشاعر.. إلخ، وهنا تتراجع مسؤولية السياسيين والقانونيين، ليأتي دور المصلحين الإجتماعيين والدينيين، والمفكرين والمثقفين، والعلماء من شتى التخصصات، ومؤسسات المجتمع المدني، حتى نضمن إصلاحا متكاملا.

ختاما.. أجمل ما في هذه الثورات أن مجرد التفكير فيها وفي طريقة انبعاثها، وتداعيتها، تجعل العقل يخرج من الدائرة المفرغة التي كنا ندور فيها لعقود طويلة..

تحياتي


- Posted using BlogPress from my ipad