الجمعة، 25 مارس، 2011

خطاب اللحظة التاريخية.. البغي نموذجا



من أخطر الإشكاليات التي أبرزتها بوضوح الأحداث الأخيرة في العالم العربي: عدم قدرة البعض ممن يحمل الخطاب الإسلامي على التعامل مع الأحداث بعقلية تجمع بين التأصيل الشرعي العميق، والفهم الواقعي الدقيق، فما زال البعض يتمسك بفهم تاريخي للنصوص التي لها ارتباط في أبواب السياسة الشرعية، فيقوم بإسقاط تلك النصوص بفهمه التارخي الجامد على واقع مغاير ومعقد ومتشعب ومليء بالتفاصيل، فيخرج الخطاب بشكل مختزل وسطحي، بعيد عن الواقع وعن روح الشريعة ومقاصدها !

فاستعمال مصطلحات مثل: الإمام، ولي الأمر، أهل البغي، الخوارج، أهل الحل والعقد.. إلخ، فيه الكثير من التجاوز على الواقع وعلى المضامين الحقيقية لتلك المصطلحات، واشتراطاتها الشرعية، وقفز على سياقها التاريخي، الذي من الضروري أن يكون حاضرا لفهم حقيقتها.

مثل هذا النوع من الخطاب الذي يستعمل المصطلحات الشرعية والفقهية في غير موضعها ومحلها، ،إنما يفتن الناس عن دينهم، ويصرفهم عن الأخذ منه، ويزعزع ثقتهم به، فيرفضوه جملة واحدة؛ لأنه يقف حائلا بينهم وبين رفع الظلم عنهم، ولأنه عاجز عن التفاعل مع حياتهم ومتطلباتهم، فهو خطاب وقف عند لحظة تاريخية معينة، ولم يتجاوزها إلى اللحظة الحاضرة.

وكمثال على ماذكرت فقد تردد في الفترة الأخيرة ذكر مصطلح (أهل البغي) أو (البُغاة) وأُطلق على المحتجّين في البحرين، في سياق تبرير التعامل الأمني مع هذه الفئة، وبصرف النظر عن الاصطفاف المقيت الذي أفرزته تلك الأحداث فإن الزجّ بذلك المصطلح الشرعي فيه نوع من التدليس والتلبيس، فبالإضافة إلى التجاوز في استعماله في هذه الأحداث، فإن من استعمله لم يرجع إلى اشترطاته الفقهية

فالفرقة الباغية كما عرفها الفقهاء:هي فئة من المسلمين خرجت على الإمام الحق الذي يجمع كلمة المسلمين، واتفقوا على إمامته وبيعته، وقد نص الفقهاء أيضا على شروط أخرى يجب توافرها في الإمام الحق، لذلك يذكر المالكية أن يزيد بن معاوية لم يكن إماما للمسلمين؛ لأن أهل الحجاز لم يسلّموا بإمامته؛ لظلمه، وبذلك فإن البغي لا يكون إلا على إمام شرعي مستجمع لصفات الإمامة التي ذكرها الفقهاء، وليس إماما طاغوتيا - كما يقول الشوكاني - فالخارجون على أهل الجور والظلم، المعطلين لشريعة الله لايسمون بغاة.

وقد سُئل الإمام مالك رحمه الله: هل يُقاتل الناس مع الإمام الفئةَ الخارجة؟ قال: إن كان الإمام مثل عمر بن عبدالعزيز، وجب على الناس الذب عنه والقتال معه، وأما غيره فل،ا دعه وما يُراد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.

فالقتال مع الظالمين هو نوع من الركون إليهم، الذي نهى الله تعالى عنه فقال: {ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.

وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله الخلل الذي يقع فيه من يدعي الفقه والعلم في الدين، فيحكم ببغي كل من خرج على أي حاكم، وعاب عليهم هذا الخلط، فقال: تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور، ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم، بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة، وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم على نظرائهم، مدعين أن الحق معهم. مجموع الفتاوى ٤٥١/٤

إن مقارنةً بسيطة بين ما ذكره العلماء حول قضية البغي، وبين الواقع، يتضح مدى العبث الذي يُمارس باسم الخطاب الشرعي، لإضفاء الشرعية على كل الإجراءات الحكومية التي تمارس ضد خصومها، سعيا لإسقاطهم والقضاء عليهم، بغطاء شرعي مزيف






- Posted using BlogPress from my iPad

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق