الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2009

واقعنا السياسي.. بين الفاعل والمنفعل






إذا رجعنا إلى تراثنا الفقهي و التشريعي فإننا نجد أن المسألة السياسية في الإسلام قد عولجت مبكرا من قبل العديد من الفقهاء مثل الماوردي و أبو يعلى الحنبلي و الجويني و ابن القيم و ابن تيمية، وهي معالجات عميقة، وذا ت منهجية واضحة، إلا أنها في كثير من جوانبها يغلب عليها المعالجات الوقتية والآنية، والتي يلقي الزمان والمكان بظلاله عليها.



إن من التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم من حولنا، ولها تأثير رئيسي وكبير على ما يحدث في هذا العالم تلك التطورات التي يشهدها عالم السياسة، فقد أصبح عالم السياسة هو المحرك للعالم، بل هو صانع الأحداث، وأصبح العالم كله بما فيه المسلمون في دائرة التأثّر بما يحدث في عالم السياسة.

و مما يؤسف حقا أن المسلمين اليوم لم يعودوا هم المؤثرين في عالم السياسة، وإنما أصبحوا متأثرين، فهم لا يصنعون الأحداث، وإنما الأحداث هي التي تصنعهم، وكل ذلك نتيجة حالة الضعف العام الذي أصاب أمتنا الإسلامية؛ لذلك فإن من الواجب أن تُبذل الجهود تُسخّر الطاقات لمحاولة رسم مسارات للعمل الإسلامي السياسي تحوّل المسلمين من دائرة ( التأثّر ) إلى دائرة ( التأثير ) في عالم السياسة .


ومما لا شك فيه أن أي تأثير على الساحة السياسية لا بد أن يسنده إطار مرجعي تنظيري صلب يحدد ملامح النظام السياسي، ويرسم مساراته، ويحدد له الأهداف والغايات، حتى يكون قادرا على أن يسير بخطى ثابتة في عالم صراع الأفكار.

وقد شهدت ساحة الفكر الإسلامي العديد من الدراسات حول النظام السياسي في الإسلام، وما يتعلق به، محاوِلَةً رسم إطار التصور العام للنظام السياسي في الإسلام، ومدى مواءمته لما يحدث في العالم المعاصر، وقد تجاذبت تلك الدراسات العديد من الآراء والتصورات التي تتفق في الكثير من مبادئها، وتتقاطع في العديد من التفصيلات، وهي جهود مشكورة، ولكن تبقى ساحة الفكر السياسي الإسلامي بحاجة إلى المزيد من المتابعات والتأصيل والترشيد لتلك الجهود المبذولة، وكذلك هي بحاجة إلى اجتهادات معاصرة تضع في اعتبارها الأصول الإسلامية التي تحكم العمل السياسي والواقع العام وما فيه من تعقيدات، بحيث تكون قادرة على فتح آفاق جديدة في هذا المجال عبر طرح الرؤى وتوليد الأفكار والمفاهيم الجديدة .

الأحد، 9 أغسطس، 2009

المنكرات السياسية


إن الخيرية التي جعلها الله في هذه الأمة عندما قال { كنتم خير أمة أخرجت للناس } منوطة بتكملة الآية { تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر } و هذه أحد وظائف الأمة، التي من الواجب عليها القيام بها لتحقيق هذه الخيرية، فلن تتحقق الخيرية مالم يكن للأمة دور مشهود في الأمر بالمعروف وإقامته، والنهي عن المنكر وإزالته.
أرى بأن هناك خلالا عند الكثير من المسلمين -أصحاب العواطف الصادقة والجياشة- في فهم هذه الوظيفة الشريفة، فقد انحصر تعريف "المنكر" عند الكثير من المهتمين بالشأن الإسلامي بأنواع محدودة من المنكورات مثل:
.
- المنكرات العبادية والعقائدية والتي تتعلق بمظاهر البدع التي تدخل سائر العبادات، والأخرى التي طرأت على عقيدة الأمة.
- المنكرات الأخلاقية كالشهادة الزور والخيانة والكذب..
- المنكرات السلوكية كالمعاكسات والتبرج والاختلاط المذموم .. إلخ
ولكن غاب عن أذهان الكثير أن هناك منكرات لا تقل خطورة، وربما تكون أخطر من ذلك كله، و تأثيرها أعظم وأشمل، وهي:المنكرات السياسية .

إن المنكرات السياسية ذات تأثير عميق في واقع الحياة، و لها تأثير مباشر في ظهور وتنامي بقية أنواع المنكرات.. العبادية و الأخلاقية و السلوكية.. ، فإذا انغمست السلطة في المنكر السياسي؛ فإن الواقع سيكون أرضا خصبة لنمو بقية أنواع المنكرات، بل ربما تكون هي الراعي الرسمي لها !!

كلنا يعرف ما حصل في مسألة خلق القرآن، وكيف اقتنعت السلطة السياسية بهذه البدعة العقدية، فكانت هي المروّج لها، وكانت الفتنة عامة لجميع المسلمين وعلى رأسهم العلماء، وهذا يدلنا على البدعة أو المنكر متى ما ارتبط بالسلطان، وكان هو الراعي له، فإن البلاء يتضاعف والفتنة تعم، ويعم شرها وضررها.

إن المنكرات السياسية – و للأسف – كثيرة في عالمنا العربي و الإسلامي، ولا يتم التصدي لها من زاوية أنها منكر يتعارض مع قواعد وأصول السياسة الشرعية في الإسلام.
أن أبرز هذه المنكرات السياسية غياب رابطة الوحدة بين المسلمين، و تمزقهم إلى دويلات طوائف و فتات تأكله الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق !

و من تلك المنكرات احتكار السلطة، و حصرها في فئة محددة لا يشاركها أحد، و إنما هي التي تختار من يشاركها عبر إلقاء شيئ من فتاتها الذي لا يسمن و لا يغني من جوع، و هذا يقع تحت مسمى استبداد الحكم و مصادرة حق أصيل من حقوق الإنسان والأمة، وهو حق اختيار الحاكم و تداول السلطة، وهو حقٌ مكفولٌ شرعا وعقلا.

ومن المنكرات السياسية السكوت عن الظلم، والهيبة من الصدع بالحق ومواجهة الظالمين، تحت شتى الذرائع التي لا تعجز كثير من العقول الإسلامية عن إيجادها بمهارة فائقة، تبرر السكوت والخضوع والخنوع، الذي يدخل في نهاية الأمر في قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُوَدِّع منهم » رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد
.
من المنكرات السياسة إنتهاك القانون داخل الدولة، بصورة تقضي على تكافؤ الفرص، و تُسلب فيها الحقوق، ويُقدم من لا يستحق التقديم، ويُؤخر من لا يستحق التأخير، فيُعبث بالنظام، ووتُنتهك الحقوق، فتنتشر المحسوبيات، وتكون قوة المتنفذين فوق قوة القانون، يقول أبو بكر الصديق في بيانه الرئاسي الذي ألقاه بعد توليه الخلافة {القوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه، الضعيف فيكم قويٌ عندي، حتى آخذ الحق له}

و من المنكرات السياسية العظيمة أن لا يكون للدولة سلطة وسيادة حقيقية على أراضيها، بحيث تنتهك تلك السيادة من قِبل الأجنبي، في ظل انبطاح كامل، وسكوت قاتل من قبل السلطة لمثل هذا التدخل السافر وصمت مطبق من قبل القوى الشعبية الحية، و مع كل ذلك يفتخرون بدولة القانون والسيادة .

علم ودستور ومجلس أمةٍ *** كل عن المعنى الصحيح مُحرَّف
أسمـاء ليس لـنا سـوى ألفاظها *** أمـا مـعانيها فليست تُعْرَف
.
إنها التبعية الذليلة للكافر المتسلط، فهو الذي يقرر شأن بلاد المسلمين، وهو الذي يرسم مسارها، ويحدد خطواتها.. يأمر فيطاع، وينهى فيُنتهى لنهيه، فلا يكون للدولة الإسلامية من أمرها شيء سوى الحكم المتسلط على رعاياها.
.
إن من الواجب على العلماء والدعاة أن يبصّروا الأمة بمجموعها -حكاما ومحكومين- بحقيقة المنكرات السياسية التي أفسدت دين الأمة ودنياها، حتى أصبح حالها يصدق عليه قول الشاعر:
.
ويُقضى الأمر حين تغيب تيْمٌ *** ولا يُستأمرون وهم شهودُ
.
ووصلت إلى مرحلة الغثاء بأن صارت عالة على غيرها، فيصدق عليها قول الشاعر:
.
إني لأفتح عيني حين أفتحها *** على كثير ولكن لا أرى أحدا
.
إن من الواجب مخاطبة الحكام بهذه المنكرات، ونهيهم عنها، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: {وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتٌّامُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهُنَّ عَنِ المُنْكَرِ وَلَتٌّاخُذُنَّ عَلى أَيْدِي المُسِيءِ، وَلَتٌّاطُرَنَّهُ عَلى الحَقِّ أَطْرَاً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ الله بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلى بَعْضٍ، وَيَلْعَنَكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ} رواه أحمد والترمذي، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
.
كما أن من الواجب خطاب الأمة بهذه الانحرافات والمنكرات والمحدثات، حتى لا يُظن بأنها شرعية، وحتى لا يُفسر سكوت العلماء عنها بالرضى والقبول، وحتى تقوم الأمة بواجبها في مناصحة المخطئ، وتقويم المعوج {من رأى فيّ اعوجاجا فليقومني} ، {فإن أسأت فقوّموني}.
.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز أهل الطاعة والرضوان، ويذل فيه أهل الفساد والخذلان.. ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن حقيقة المنكر ..
والحمد لله على كل حال .
.
.
كلمة سريعة

إن السلطة السياسية لن يزعجها كثيرا أن يحارب المصلحون المنكرات الأخلاقية و العبادية والعقائدية والسلوكية، بل ربما تشاركة في التصدي لها ، لكنها تتخذ موقفا مغايرا عندما يتعلق الأمر بالمنكرات السياسية !!

الثلاثاء، 21 يوليو، 2009

الدين المائع








يزخر تراثنا الإسلامي بالعديد من المدارس الفقهية المعتبرة، والتي أثرت الجانب التشريعي في حضارتنا، و تمتاز تلك المدارس الفقهية بتنوع الاجتهادات داخل المدرسة الواحدة، ففي المذهب الحنفي نجد أن أقوال أبي حنيفة تختلف عن أقوال صاحبيه ، وفي الذهب المالكي نرى تنوع الاجتهادات بين الإمام مالك و ابن القاسم وأشهب وسحنون ، وفي المذهب الشافعي قد تختلف الأقوال بين الرملي والنووي ، وفي المذهب الحنبلي قد يُنقل عن الإمام أحمد سبعة أقوال في المسألة الواحدة .



كل ذلك يُعد تنوعا يُثري الجانب الفقهي ويجعل ساحة الفقه رحبة فسيحة مستوعبة لمختلف جوانب الحياة .


فكلهم من رسول الله ملتمسٌ *** غرفا من البحر أو رشفا من الديَمِ



وعلى مر العصور الإسلامية الزاهرة لم يضق العلماء ذرعا بمثل هذا التنوع بل كانوا يعدّونه عنوان الرحمة لهذه الأمة، فعندما جاء رجل إلى الإمام أحمد يعرض عليه كتابا ألفه وجمع فيه اختلافات العلماء و سماه ( كتاب الاختلاف )، اعترض الإمام أحمد على عنوان الكتاب وقال له : بل سمّه ( كاتب السعة ) ، ففي اختلاف العلماء توسيع على المسلمين ، لأنهم لو اتفقوا على رأي واحد في جميع المسائل لأوقعوا الأمة في حرج ، والله سبحانه يقول {وما جعل عليكم في الدين من حرج} .



على قدر هذا التنوع والتشعب في الآراء لم نسمع عن تبادل الاتهامات بين العلماء بأن بعضهم يسعى إلى تمييع الدين وتفريغه من محتواه ، بل كانوا يتعاملون مع تلك الاختلافات تعاملا راقيا ، فللمصيب أجران ، وللمخطئ أجر .



أما اليوم وفي ظل فشو الجهل وتراجع الأمة في شتى مجالات الحياة، نشأت ناشئة من هذه الأمة ترى بأن هذه الخلافات تُزري ولا تثري ، فضاقت صدروهم بتنوع الآراء، وخلطوا بين الاختلاف وبين التفرق، وأرادوا أن يحملوا الأمة كلها على رأي واحد في مدرسة واحدة، لذلك سعوا إلى اختزال الدين في نموذجٍ قالبيّ واحد ، وحملوا جميع الأمة على هذا النموذج الاختزالي الذي ضمّنوه مجموع من اختياراتهم الفقهية التي رأوها راجحة، ومن ثم فعلى جميع الأمة أن تقولب نفسها في هذا النموذج الاختزالي الذي اختاروه، وكل من يحاول أن يستعصي أمام هذا القالب فإن تهمته الجاهزة هي : محاولة تمييع الدين !!



إن الذين يحاولون أن يخرجوا على هذه النماذج الاختزالية إنما يفعلون ذلك انطلاقا من رؤى شرعية واجتهادات فقهية مغايرة، ولكن أصحاب تلك النماذج الأحادية يعتبرون أي خروج على قالبهم إنما هو اتباع للهوى، وسعي لتفريغ الدين من محتواه وتمييعه، وما دروا أنهم بمثل هذا الاختزال إنما (يجمّدون ) الدين ، فهم يقابلون الفهم المائع للدين – حسب ما يتهمون مخالفيهم – بفهم جامد له .. وكلا طرفي الأمور ذميمُ.



إن الحكم على المخالف بأنه ممن (يميّع ) الدين هو حكم غير منضبط الوصف، ولا ينبغي أن يصدر ممن لديه علم بمناهج العلماء ومذاهبهم، بل هو من الأحكام التي يسهل على كل طرف أن يستعمله ضد الطرف الآخر عندما يعجز عن مناقشة الأدلة.



والذي يظهر أن مثل هذا الحكم لا يأتي إلا عندما تضيق السبل على صاحب النظر الأحادي فيعجز عن تفنيد الحجج فلا يملك في جعبته حينئذ إلا ذلك الحكم ( الجاهز المعلّب ) ليقول : إنك ممن يميّّع الدين !

الأربعاء، 29 أبريل، 2009

رئاسة الدولة الإسلامية .. اجتهاد

بسم الله الرحمن الرحيم



أتيحت لي - هذه الأيام - فرصة اللقاء مع عدد من المفكرين في مصر، ومنهم د. محمد سليم العوا( الأمين العام لاتحاد علماء المسلمين) ، والدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري، وكانت اللقاءات عبارة عن جولات في مختلف قضايا الفكر الإسلامي

سألت المستشار طارق البشري على عجل: ما رأيك في تولي غير المسلم منصب رئاسة الدولة الإسلامية؟

فأجابني باقتضاب: إذا لم تكن له الولاية المطلقة، والأمر والنهي الأول، فيمكن أن يكون رئيسا للدولة !!
لكن في اللقاء مع الدكتور محمد عمارة كان تناول هذه القضية بشكل أشمل، حيث كان الحديث عن تولي المرأة، وغير المسلم للولايات العامة في الدولة الإسلامية.



يرى الدكتور عمارة بأن مأسسة الدولة المعاصرة ( أي تحولها إلى دولة مؤسسات) يعطي الفرصة لكل من المرأة لتولي أي منصب، وقال: بأن أول من طرح هذا الرأي هو المستشار طارق البشري في أحد المؤتمرات وكان بحضور الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

وقد لاقى هذا الرأي استحسان الشيخ، وقال بأنه اجتهاد جديد حريٌ بالنظر والتأمل.

أقول : ما معنى الكلام السابق؟


الدولة الإسلامية في صورتها التاريخية، كل للخليفة الأمر والنهي في كل القضايا، وكان رأيه نافذا على الجميع، وكان هو من يؤم الناس في الصلاة، ويخرج للجهاد، إلى غير ذلك من الوظائف الكبير، والتي كانت تجعله في كثير من الأحيان يتفرد باتخاذ القرارات المصيرية، أو أن يستشير من حوله بشورى مُعلِمة لا يكون مضطرا للالتزام بنتائجها
في هذه الصورة يصعب تصور أن يكون غير المسلم رئيسا للدولة الإسلامية وكذلك المرأة.. والسبب واضح
أما في ظل الدولة المعاصرة، والقائمة على الفصل التام والواضح بين السلطات، بمعنى أنه لا يوجد طرف ينفرد بالسلطة، وله الأمر والنهي المطلق، وفي ظل السيادة الواضحة للقانون، ووجود اللوائح المنظمة والتي تقلص من سلطات الفرد، فيمكن التفكير بأن تكون المرأة أو غير المسلم على رأس الدولة.
بل إنه حتى في ظل السلطة الواحدة ( السلطة القضائية مثلا) فإن هناك ثلاث درجات للتقاضي، وفي كل درجة يوجد ثلاث قضاة، كما أن القاضي لا يجتهد في حكمه، وإنما هو مطبّق لقوانين منصوص عليها، وهناك درجات التقاضي التي يمكن أن تستدرك على الحكم القضائي .. إلخ من الإجراءات التي تحدّ من صلاحيات الأفراد، وتقلل من تأثير المزاج الشخصي.
وهذا الأمر أيضا ينسحب على سلطات رئيس الدولة ووظيفته في الدولة الحديثة.
إذن فصورة الدولة المعاصرة تختلف إختلافا كليا عن صورة الدولة في شكلها التاريخي
لذلك فإن الحكم الشرعي يتغير مع تغير محلّه، ولتغير العلة التي من أجلها وُجد الحكم السابق..

هذه رؤية لكبار المفكرين الإسلاميين المعاصرين، جديرة بالتأمل، وفتح النقاش حولها.

بعد أن حاورت د. محمد عمارة حول هذه القضية، قال لي: بأن المسألة في النهاية نظرية، إذ لا يمكن تصور أن تكون دولة دستورها إسلامي والأكثرية فيها إسلامية، ولا يوجد في المسلمين كفئ لتولي رئاسة الدولة .. فيتم اختيار غير المسلم !!
لكن من يثير هذه المسالة إنما يثيرها للمشاغبة والمماحكة، ولإحراج الإسلاميين ... لا أكثر .


ومن الله التوفيق


الأربعاء، 1 أبريل، 2009

نزعة التحريم



من الملاحظ في الساحة الاسلامية أن هناك بعض المدارس تميل ميلا شديدا إلى توسيع دائرة التحريم و المنع، و لأن " الحلال بيّن و الحرام بيّن " ، فإن كثيرا من المحرمات التي تتبنّها بعض هذه المدارس هي ليست من المحرمات الأصلية، و إنما تقع ضمن التحريم الذرائعي و الاحتياطي .


و لا شك أن هذا النوع من التحريم ( الذرائعي ) ليس بقطعي، و إنما يقع في دائرة الاجتهاد، لأن تقدير وجود وحجم الذريعه أمر قابل لتفاوت الأنظار و الأفهام ، بل و تختلف الذريعة باختلاف الأزمان و الأماكن و الأشخاص ، فتعميم هذا التحريم على جميع الناس و في كل الظروف هو نوع من التحكم الذي يسيئ إلى الشرع أكثر من ما يخدمه .




إن سد الذرائع دليل من أدلة الأحكام التي تُحترم ، و لكن الذي يجب مراعاته أنه ليس من أدلة الأحكام المتفق عليها بين الأصوليين ، فهو معتبر عند المالكية و الحنابلة فقط ، بخلاف الشافعية و الحنفية و الظاهرية ، كما أنه لا يُعمل به في جميع الأبواب و التي منها باب الحقوق ، فلا يجوز منع أي إنسان من حقه بحجة سد الذرائع .


و قد قرأتُ فتوى لأحد العلماء المحترمين يحرّم فيها ضرب الدف في أعراس النساء !! و قد كان مبرر هذا التحريم عنده هو سد ذريعة التوسع في استعمال الآلات ، لأن بعضها المباح قد يجر إلى المحرم منها !!


و الواضح أن المتوسع في هذا المنهج في الافتاء قد يُحرِّم شيئا أذِن به النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قد يكون فعله، و قد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الاتجاه ، فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضيَ اللَّه عنها قالت : «صَنَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئاً ترخَّصَ فيه وتَنَزَّهَ عنه قومٌ، فبلغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوامٍ يَتنزهون عن الشيءِ أصنعُه؟ فواللَّه إني أعلمهم باللَّه وأشدُّهم له خشيةً».



يعلق الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا الحديث في الفتح فيقول : " ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله وهذا إلحاد، قلت: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك " (15 / 205)



و لو نظرنا إلى آيات الله تعالى في كتابه سنلاحظ أن التحريم لا يأتي إلا مقيدا كقوله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش } و كذلك نجده يأتي معدودا و محصورا ، كقوله تعالى { قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم } و قوله { و قد فصل لكم ما حرم عليكم } ، فالتوسع في التحريم والمنع و التكلف و التعسف في الاستدلال على التحريم أمرٌ مخالف لروح و منطوق الكتاب العزيز .

أما الإباحه فإن الشارع قد جعلها هي الأصل ، و نجدها تخلو من التقييد ، كقوله تعالى { هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا } و قوله تعالى { و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه } ، و كذلك نفى الله تعالى الحرمة عن الاستمتاع بمطلق مخلوقاته فقال { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامه } .



من هذه النصوص السابقة استخلص الفقهاء قاعدة فقهية جليلة و هي ( الأصل في الأشياء الإباحة ) ، و بذلك فإن المبيح لشيء ما لا يحتاج إلى دليل لأنه يستصحب الأصل بخلاف المحرّم فإن عليه أن يأت بالدليل على الحرمة، والنتيجه الحتمية لهذه القاعدة أن أصناف المباحات غير قابلة للحصر ، بخلاف المحرمات ، و هذه القاعدة منسجمة مع مقصد الشارع من رفع الحرج ، لأن الأشياء لا حصر لها ، فلو كان الأصل في الأشياء الحرمة لكانت المحرمات غير متناهية وهذا لا يتناسب مع الرحمة بالمكلف و رفع الحرج عنه .

إن الموازنة بين دليل ( سد الذرائع ) و قاعدة ( الأصل في الأشياء الإباحة ) مع مراعاة رفع الحرج لا يقدر عليه إلا الحذاق من أهل العلم لا المبتدئين و أهل العموميات لذلك يقول سفيان الثوري رحمه الله : " إنما الفقه الرخصة من ثقة ، أما التشديد فيحسنه كل واحد " ، فلو لم تتم مراعاة كل ذلك لأصبحت أحكام الشريعة عبارة عن مجموعة ( أحوطيات ) !!




والله الهداي إلى الحق والصواب..


الأحد، 15 مارس، 2009

نور الحقيقة





يسعى المنهج الإسلامي إلى تربية أتباعه على تحري الحقيقة و البحث عنها و الخضوع لها متى ما ثبت عند الإنسان صدق ما ظهر له ، و حقيقة ما توصل إليه ، فالحق أحق أن يُتبع .

و كذلك يعيب على من يبني قناعاته و آراءه و أفكاره على أساس من التقليد الأعمى و العواطف الجياشة التي تحرك الكثير من الناس ، و تمثل لهم مصدرا من مصادر الحقيقة بعيدا عن نور الوحي و سلطان العقل .

أما في البحث عن الحقيقة ، فما أروع حوار إبراهيم عليه السلام مع نفسه و هو يثير التساؤلات ، لكي يُشرّع للناس كيفية الوصول للحقيقة المطلقة والاستدلال عليها عبر التشكيك في المعطيات للوصول إلى اليقين فالشك أول درجات اليقين { وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات و الأرض و ليكون من الموقنين . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ... }

فسعي الإنسان للبحث عن الحقيقة و السؤال عنها و تتبعها فضيلة تنبئ عن مدى السمو العقلي والانفتاح الذهني عند الإنسان ، فالحقيقة مطلب عزيز ، عز طالبه ، يبحث عنها الإنسان في كل مكان كالضالة المنشودة لا يضره على يد من وُجدت ، فالمقصد هو الوجدان من أيٍ كان ، و" الحكمة ضالة المؤمن ، أنّى وجدها فهو أحق الناس بها " .

إن تحري الحقيقة فضيلة إنسانية ، إخالها غائبة أو متوارية عن المشهد الثقافي و الفكري و العلمي ، فالغالب مقتنع بما هو عليه من أفكار ومعتقدات احتلت العقل أولا فتمكنت فيه قياسا على قول الشاعر :
أتاني هواها قبل أعرف الهوى *** فصادف قلبا خاليا فتمكنا
فلم تأخذ تلك الأفكار و المعتقدات حظها من النظر و الفحص و التدقيق و الاختبار و لم توضع تحت عدسة المجهر أو مبضع الجراح ، بل إن أي محاولة في هذا الاتجاه مرفوضة و تُصنّف في خانة التشكيك و التفريق ، و لم تسلم مدرسة من هذا الداء .

إن الوصول للحقيقة بحاجة إلى عقول مرنة و نفسيات منفتحة في التعامل مع المعطيات الفكرية و غير خاضعة للأحكام و الصور الذهنية و المواقف المسبقة و العبارات ( المعلبة ) التي تمارس دور التخدير و التعطيل للعقول و الأذهان ، و هذه المرونة تكون عبر فتح الأذن للسماع و العين للقراءة و العقل للتفكير في كل ما يخاطب العقل بالدليل والبرهان و إن لم يحصل الاتفاق ، فأعقل الناس من جمع عقل الناس إلى عقله .
اللهم أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه ...

السبت، 28 فبراير، 2009

التنوع وأزمة النخبة







من أبرز خصائص المجتمعات المتقدمة و المتمدنة أن لها قابلية كبيرة للتعايش مع التنوع الذي يلفها في كل جوانبها، بل إنها تبحث عن مواطنه لكي تعززه ، فهي تعتبره عامل إثراء و تقدم للمجتمع، حيث أن النهضة و التقدم لا يتأتيان في ظل التطابق التام في جميع جوانب المجتمع.



من المفترض أن يكون هذا الكلام مسَلّم به من قبل المجتمع كله ، فإن لم يكن كذلك فعلى الأقل يكون وضحا عند العناصر الحية و القوى الفاعلة من مثقفين و كتاب و مفكرين و علماء ، حيث أنه في الغالب يكون المجتمع صدى لما يحمله هؤلاء من و عي و فكر ..



مشكلتنا مع قبول التنوع تكمن في أن تلك القوى الفاعلة تكون أحيانا غير مؤمنة به ، و إن آمنت به فهي غير مستعدة للدعوة إليه ، و إن دعت إليه فإنها غير قادرة على العمل به ، و إن عملت به فإنها تسيء استخدامه وتشوهه عبر التطبيقات الخاطئة ، فتؤمن بالتنوع – مثلا - إذا كان في صالحها ، و بذلك تتحول تلك القوى من موقع المرشد للمجتمع و القائد له إلى موقع التابع و المتأثر !!



وسبب ذلك أن هناك قيم سائدة تمجد التطابق الشكلي بين أفراد المجتمع معتقدة أن هذا التطابق يعني التلاحم و الوحدة ، فيكون الحرص كل الحرص على أن لا تُمس تلك الوحدة المزيفة بأي خدش و بأي خلاف حتى لا يتعرض المجتمع للتآكل الداخلي ، ويغيب عن الأذهان أن ذلك يكرس الأُحادية المقيتة التي تجعل المجتمع متخوفا من كل جديد و إن كان فيه الخير ، و أن الخلاف الذي يؤدي إلى التنوع في إطار الوحدة هو مصدر إثراء ، و هو ظاهرة صحية تمارسها المجتمعات المتقدمة فتزداد تقدما ، أما الخلاف الذي يؤدي إلى تفريق الناس وتشطير المجتمع فإنه سمة غالبة على المجتمعات المتخلفة ، و التي لا تزيدها تلك الخلافات إلا تراجعا و تخلفا .



إن ذلك يتطلب منا إعادة النظر في مفهوم الوحدة و التنوع و في صورهما و في طرائق العمل بهما بتوازن و اعتدال
فكم من العلماء و أهل الرأي و النظر قضوا نحبهم وفي جعبتهم بعض الآراء والأفكار التي قد تكون فيها مصلحة عامة أو خروج من مأزق لكنها تصطدم مع النسق العام و الفكر الجمعي و التركيبة التقليدية للذهن والمجتمع ، فيخشى هؤلاء العلماء أن يبوحوا بها خوفا من معارضة الدهماء و التيار العام ، و بهذا تكون الذهنية الأحادية سببا في حرمان المجتمع من الكثير من الآراء الإصلاحية و التقدمية .


و المصيبة العظمى أن يكون المثقفون و أهل العلم و الرأي هم الذين يحمون تلك الذهنية و يساعدون في تعزيزها و الدفاع عنها .. علموا بذلك أو جهلوه.



أظن أن العالم لن يشعر بالندم و الحسرة على مجاراته و محاباته للنسق العام إلا عندما تكون لديه قناعة أو وجهة نظر مخالفة لذلك النسق فيجد نفسه عاجزا عن البوح بها حتى لا يثور الجمهور بوجهه و يرميه بالمروق عن قيم المجتمع و عوائده .



و ما أجمل تلك الكلمات التي نطق بها الشيخ عبد الحميد بن باديس حيث يقول : " على أهل الحق أن يكون الحق راسخا في قلوبهم عقائدا ، و جاريا على ألسنتهم كلمات ، و ظاهرا على جوارحهم أعمالا ، يؤيدون الحق حيثما كان ومما كان ، و يخذلون الباطل حيثما كان و مما كان "

أقول الحق لا أخشى و إني *** لأبصر دونه عنقي تدق
و لست بجازع ما دام قلبي *** يردد إن وعد الله حق
ومن الله التوفيق

الثلاثاء، 17 فبراير، 2009

بداية + الجهالة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على سيدنا محمد .. سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين ..

وبعد ,,,

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في هذه المساحة سوف أتواصل معكم عبر بعض الكتابات المتواضعة التي أضعها بين أيديكم ، للتقييم والتعليق والإثراء ..

وأنا على ثقة تامة بأني سأجني من الفائدة الشيء الكبير وذلك بتفاعلكم وإضافاتكم ..

والآن أترككم مع أول مقال .

++++++++++++++++++++++++++++++++++


( الجهالة )

يَعتبر علماء الحديث أن توافر عنصر الجهالة في حال أحد رواة الحديث أو عينه سببا في الطعن في ذلك الراوي و رد روايته .

و كذلك الفقهاء يعتبرون الجهالة في أي عقد أو معاملة سببا في فساد ذلك العقد و رد تلك المعاملة .
في مقابل ذلك نرى أن العلاقة السائدة بين مختلف الفرقاء في الساحة الفكرية و الثقافية و العلمية يغلب عليها – في كثير من الأحيان - الجهالة المتبادلة بين جميع الأطراف .

و لاشك أن الجهل بالمخالف و بمرجعيته و تفصيلات منطلقاته ، و التطورات التي تطرء عليه ، سبب في المزيد من التشاحن و العداء ، و إن مراعاة كل تلك الأمور و اعتبارها و وضعها نصب العين قد يضيّق دائرة الخلاف أو يوسع دائرة التعاذر ، فإن لم يكن فليس أقل من أن يجعل الخلاف منطلقا من علم و فهم ، و في ذلك خير .

و الوصية الإلهية واضحة في هذا المجال ، فالله تعالى يقول { .. فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة .. } .

و بما أن الإنسان عدو ما يجهل ، فإن الجهالة سبب في الكثير من العداوات التي لو دخلها عنصر العلم بالطرف الآخر لحصل بعض التفهم أو التغير في أسلوب الخلاف .

لو كنتَ تعلمُ ما أقول عذرتني *** أو كنتُ أجهلُ ما تقول عذلتكَ
لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني *** وعلمتُ أنك جاهل فعذرتكَ

و أسوأ ما في الجهالة هو أن ينطلق الإنسان منها في الحكم على الآخرين و يبني على تلك الأحكام أحكاما أخرى ، ثم يتخذ من إغراقه في الجهالة مستندا يرجع إليه و حجة يحتج بتا ، و هكذا فهو ينتقل من جهالة إلى أخرى .
يقول أبو تمام :

أَبَا جَـعْــفَرٍ إنَّ الجَهـالَةَ أُمُّها *** وَلُودٌ وأُمُّ العِلْمِ جَدَّاءُ حائِلُ
أَرَى الحَشوَ والدَّهْمَاءَ أضحَوْا كأَنَّهمْ *** شُعُوبٌ تَلاقَتْ دُونَنَا وقَبَائِلُ
غَدَوْا وكأنَّ الجَهْلَ يَجْمَعُهُمْ بهِ *** أَبٌ وَذَوُو الآدَابِ فيهمْ نَوَاقِلُ


إن مظاهر تأصل الجهالة في النفوس و العقول كثيرة ، و منها :

1- أن يظن الإنسان أن ما توصل إليه – أو توصل إليه مذهبه و مدرسته – من علم و وعي هو شيء نهائي مكتمل لا يمكن الإضافة عليه ، فضلا عن تغييره و تبديله ، مع أن تراث العلماء في الإسلام زاخر بمقولاتهم و مواقفهم التي تدور حول ذم التكبر على العلم ، و اكتفاء الإنسان بما توصل إليه .

2- أن يكون الارتباط بالمدرسة أو الاتجاه الذي ينتمي إليه الإنسان قد أُسس على قاعدة عاطفية من الرغبات و الأحاسيس و المشاعر ، ثم يأتي العقل و العلم متأخرا ليضفي صبغته على تلك العواطف .
الحبُّ أوّلُ مايكون جَهالةً فإذا تَمكَّنَ صارَ شُغْلاً شاغلا

و ينشأ عن ذلك استبعاد أي احتمال للخطأ أو الوهم أو القصور قد يصيب المذهب أو الرأي ، و يكون المنتمي في هذه الحالة له قدرةٌ تعمل تلقائيا و بعبارات محفوظة على رد أو تأويل أو تبرير أي استدراك أو خطأ أو قصور يقع في المذهب أو المدرسة .

3- تكوين صورة عن المخالف عبر و سطاء لا يلتزمون الحياد الكامل ، و ذلك عن طريق :

أ – الاجتزاء المشوِّه للأفكار و النصوص
ب- تعميم الاستثنائي من الآراء و الأقوال
ج – الاحتجاج بلازم المذهب و الرأي ، و إن لم يلزم
د- عدم مراعاة التطورات و التعديلات التي تطرء على المدرسة و المذهب ، و اعتباره كتلة صلدة غير قابلة لإعادة التشكل و التحول .

إن انتشار التعصب و عقلية البعد الواحد و تقديس الأفراد و تقديمهم على المنهج و المبدأ ، و الكيل بمكيالين ، و التعميم ، و اضطراب ردود الأفعال ، و انعدام الدقة و الانصاف .. و غيرها من الأدواء الفكرية و المنهجية تعتبر افرزا طبيعيا للإغراق في الجهالة القائمة و المتبادلة في الساحة الثقافية ، بل في الحياة العامة ، و في مثل هذه الظروف يكون الجهد المبذول في إقناع الجاهل بجهله أشد من الجهد المبذول في تعليمه .


إِنَّ اللَبيبَ إِذا تَفَرَّقَ أَمرُهُ *** فَتَقَ الأُمورَ مُناظِراً وَمُشاوِرا
وَأَخو الجَهالَةِ يَستَبِدُّ بِرَأيِهِ *** فَتَراهُ يَعتَسِفُ الأُمورَ مُخاطِرا


.. و الله المستعان