الثلاثاء، 17 فبراير، 2009

بداية + الجهالة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة و السلام على سيدنا محمد .. سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين ..

وبعد ,,,

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في هذه المساحة سوف أتواصل معكم عبر بعض الكتابات المتواضعة التي أضعها بين أيديكم ، للتقييم والتعليق والإثراء ..

وأنا على ثقة تامة بأني سأجني من الفائدة الشيء الكبير وذلك بتفاعلكم وإضافاتكم ..

والآن أترككم مع أول مقال .

++++++++++++++++++++++++++++++++++


( الجهالة )

يَعتبر علماء الحديث أن توافر عنصر الجهالة في حال أحد رواة الحديث أو عينه سببا في الطعن في ذلك الراوي و رد روايته .

و كذلك الفقهاء يعتبرون الجهالة في أي عقد أو معاملة سببا في فساد ذلك العقد و رد تلك المعاملة .
في مقابل ذلك نرى أن العلاقة السائدة بين مختلف الفرقاء في الساحة الفكرية و الثقافية و العلمية يغلب عليها – في كثير من الأحيان - الجهالة المتبادلة بين جميع الأطراف .

و لاشك أن الجهل بالمخالف و بمرجعيته و تفصيلات منطلقاته ، و التطورات التي تطرء عليه ، سبب في المزيد من التشاحن و العداء ، و إن مراعاة كل تلك الأمور و اعتبارها و وضعها نصب العين قد يضيّق دائرة الخلاف أو يوسع دائرة التعاذر ، فإن لم يكن فليس أقل من أن يجعل الخلاف منطلقا من علم و فهم ، و في ذلك خير .

و الوصية الإلهية واضحة في هذا المجال ، فالله تعالى يقول { .. فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة .. } .

و بما أن الإنسان عدو ما يجهل ، فإن الجهالة سبب في الكثير من العداوات التي لو دخلها عنصر العلم بالطرف الآخر لحصل بعض التفهم أو التغير في أسلوب الخلاف .

لو كنتَ تعلمُ ما أقول عذرتني *** أو كنتُ أجهلُ ما تقول عذلتكَ
لكن جهلتَ مقالتي فعذلتني *** وعلمتُ أنك جاهل فعذرتكَ

و أسوأ ما في الجهالة هو أن ينطلق الإنسان منها في الحكم على الآخرين و يبني على تلك الأحكام أحكاما أخرى ، ثم يتخذ من إغراقه في الجهالة مستندا يرجع إليه و حجة يحتج بتا ، و هكذا فهو ينتقل من جهالة إلى أخرى .
يقول أبو تمام :

أَبَا جَـعْــفَرٍ إنَّ الجَهـالَةَ أُمُّها *** وَلُودٌ وأُمُّ العِلْمِ جَدَّاءُ حائِلُ
أَرَى الحَشوَ والدَّهْمَاءَ أضحَوْا كأَنَّهمْ *** شُعُوبٌ تَلاقَتْ دُونَنَا وقَبَائِلُ
غَدَوْا وكأنَّ الجَهْلَ يَجْمَعُهُمْ بهِ *** أَبٌ وَذَوُو الآدَابِ فيهمْ نَوَاقِلُ


إن مظاهر تأصل الجهالة في النفوس و العقول كثيرة ، و منها :

1- أن يظن الإنسان أن ما توصل إليه – أو توصل إليه مذهبه و مدرسته – من علم و وعي هو شيء نهائي مكتمل لا يمكن الإضافة عليه ، فضلا عن تغييره و تبديله ، مع أن تراث العلماء في الإسلام زاخر بمقولاتهم و مواقفهم التي تدور حول ذم التكبر على العلم ، و اكتفاء الإنسان بما توصل إليه .

2- أن يكون الارتباط بالمدرسة أو الاتجاه الذي ينتمي إليه الإنسان قد أُسس على قاعدة عاطفية من الرغبات و الأحاسيس و المشاعر ، ثم يأتي العقل و العلم متأخرا ليضفي صبغته على تلك العواطف .
الحبُّ أوّلُ مايكون جَهالةً فإذا تَمكَّنَ صارَ شُغْلاً شاغلا

و ينشأ عن ذلك استبعاد أي احتمال للخطأ أو الوهم أو القصور قد يصيب المذهب أو الرأي ، و يكون المنتمي في هذه الحالة له قدرةٌ تعمل تلقائيا و بعبارات محفوظة على رد أو تأويل أو تبرير أي استدراك أو خطأ أو قصور يقع في المذهب أو المدرسة .

3- تكوين صورة عن المخالف عبر و سطاء لا يلتزمون الحياد الكامل ، و ذلك عن طريق :

أ – الاجتزاء المشوِّه للأفكار و النصوص
ب- تعميم الاستثنائي من الآراء و الأقوال
ج – الاحتجاج بلازم المذهب و الرأي ، و إن لم يلزم
د- عدم مراعاة التطورات و التعديلات التي تطرء على المدرسة و المذهب ، و اعتباره كتلة صلدة غير قابلة لإعادة التشكل و التحول .

إن انتشار التعصب و عقلية البعد الواحد و تقديس الأفراد و تقديمهم على المنهج و المبدأ ، و الكيل بمكيالين ، و التعميم ، و اضطراب ردود الأفعال ، و انعدام الدقة و الانصاف .. و غيرها من الأدواء الفكرية و المنهجية تعتبر افرزا طبيعيا للإغراق في الجهالة القائمة و المتبادلة في الساحة الثقافية ، بل في الحياة العامة ، و في مثل هذه الظروف يكون الجهد المبذول في إقناع الجاهل بجهله أشد من الجهد المبذول في تعليمه .


إِنَّ اللَبيبَ إِذا تَفَرَّقَ أَمرُهُ *** فَتَقَ الأُمورَ مُناظِراً وَمُشاوِرا
وَأَخو الجَهالَةِ يَستَبِدُّ بِرَأيِهِ *** فَتَراهُ يَعتَسِفُ الأُمورَ مُخاطِرا


.. و الله المستعان

هناك تعليقان (2):

  1. رااااائع ..
    حفظك الله .. كلام جميل ومفيد .. أسأل الله أن يعينك على الاستمرار في هذه الكتابات القيمة ..
    ومبروك مدونتك الجديدة ..

    جديد المدونة :
    " طلال السعيد .. أنت عن الوطنية بعيد !! "
    alsoorst.blogspot.com

    ردحذف
  2. شكرا أيها السور على مشاركتك ، ويشرفني أن تكون أول المعلقين في هذه المدونة الجديد ..

    وفقكم الله لما يحب ويرضى

    ردحذف