الأحد، 15 مارس، 2009

نور الحقيقة





يسعى المنهج الإسلامي إلى تربية أتباعه على تحري الحقيقة و البحث عنها و الخضوع لها متى ما ثبت عند الإنسان صدق ما ظهر له ، و حقيقة ما توصل إليه ، فالحق أحق أن يُتبع .

و كذلك يعيب على من يبني قناعاته و آراءه و أفكاره على أساس من التقليد الأعمى و العواطف الجياشة التي تحرك الكثير من الناس ، و تمثل لهم مصدرا من مصادر الحقيقة بعيدا عن نور الوحي و سلطان العقل .

أما في البحث عن الحقيقة ، فما أروع حوار إبراهيم عليه السلام مع نفسه و هو يثير التساؤلات ، لكي يُشرّع للناس كيفية الوصول للحقيقة المطلقة والاستدلال عليها عبر التشكيك في المعطيات للوصول إلى اليقين فالشك أول درجات اليقين { وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السموات و الأرض و ليكون من الموقنين . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا ، قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين . فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ... }

فسعي الإنسان للبحث عن الحقيقة و السؤال عنها و تتبعها فضيلة تنبئ عن مدى السمو العقلي والانفتاح الذهني عند الإنسان ، فالحقيقة مطلب عزيز ، عز طالبه ، يبحث عنها الإنسان في كل مكان كالضالة المنشودة لا يضره على يد من وُجدت ، فالمقصد هو الوجدان من أيٍ كان ، و" الحكمة ضالة المؤمن ، أنّى وجدها فهو أحق الناس بها " .

إن تحري الحقيقة فضيلة إنسانية ، إخالها غائبة أو متوارية عن المشهد الثقافي و الفكري و العلمي ، فالغالب مقتنع بما هو عليه من أفكار ومعتقدات احتلت العقل أولا فتمكنت فيه قياسا على قول الشاعر :
أتاني هواها قبل أعرف الهوى *** فصادف قلبا خاليا فتمكنا
فلم تأخذ تلك الأفكار و المعتقدات حظها من النظر و الفحص و التدقيق و الاختبار و لم توضع تحت عدسة المجهر أو مبضع الجراح ، بل إن أي محاولة في هذا الاتجاه مرفوضة و تُصنّف في خانة التشكيك و التفريق ، و لم تسلم مدرسة من هذا الداء .

إن الوصول للحقيقة بحاجة إلى عقول مرنة و نفسيات منفتحة في التعامل مع المعطيات الفكرية و غير خاضعة للأحكام و الصور الذهنية و المواقف المسبقة و العبارات ( المعلبة ) التي تمارس دور التخدير و التعطيل للعقول و الأذهان ، و هذه المرونة تكون عبر فتح الأذن للسماع و العين للقراءة و العقل للتفكير في كل ما يخاطب العقل بالدليل والبرهان و إن لم يحصل الاتفاق ، فأعقل الناس من جمع عقل الناس إلى عقله .
اللهم أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق