الأربعاء، 1 أبريل، 2009

نزعة التحريم



من الملاحظ في الساحة الاسلامية أن هناك بعض المدارس تميل ميلا شديدا إلى توسيع دائرة التحريم و المنع، و لأن " الحلال بيّن و الحرام بيّن " ، فإن كثيرا من المحرمات التي تتبنّها بعض هذه المدارس هي ليست من المحرمات الأصلية، و إنما تقع ضمن التحريم الذرائعي و الاحتياطي .


و لا شك أن هذا النوع من التحريم ( الذرائعي ) ليس بقطعي، و إنما يقع في دائرة الاجتهاد، لأن تقدير وجود وحجم الذريعه أمر قابل لتفاوت الأنظار و الأفهام ، بل و تختلف الذريعة باختلاف الأزمان و الأماكن و الأشخاص ، فتعميم هذا التحريم على جميع الناس و في كل الظروف هو نوع من التحكم الذي يسيئ إلى الشرع أكثر من ما يخدمه .




إن سد الذرائع دليل من أدلة الأحكام التي تُحترم ، و لكن الذي يجب مراعاته أنه ليس من أدلة الأحكام المتفق عليها بين الأصوليين ، فهو معتبر عند المالكية و الحنابلة فقط ، بخلاف الشافعية و الحنفية و الظاهرية ، كما أنه لا يُعمل به في جميع الأبواب و التي منها باب الحقوق ، فلا يجوز منع أي إنسان من حقه بحجة سد الذرائع .


و قد قرأتُ فتوى لأحد العلماء المحترمين يحرّم فيها ضرب الدف في أعراس النساء !! و قد كان مبرر هذا التحريم عنده هو سد ذريعة التوسع في استعمال الآلات ، لأن بعضها المباح قد يجر إلى المحرم منها !!


و الواضح أن المتوسع في هذا المنهج في الافتاء قد يُحرِّم شيئا أذِن به النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قد يكون فعله، و قد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الاتجاه ، فقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضيَ اللَّه عنها قالت : «صَنَعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم شيئاً ترخَّصَ فيه وتَنَزَّهَ عنه قومٌ، فبلغَ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوامٍ يَتنزهون عن الشيءِ أصنعُه؟ فواللَّه إني أعلمهم باللَّه وأشدُّهم له خشيةً».



يعلق الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا الحديث في الفتح فيقول : " ونقل ابن التين عن الداودي أن التنزه عما ترخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله وهذا إلحاد، قلت: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك " (15 / 205)



و لو نظرنا إلى آيات الله تعالى في كتابه سنلاحظ أن التحريم لا يأتي إلا مقيدا كقوله تعالى { قل إنما حرم ربي الفواحش } و كذلك نجده يأتي معدودا و محصورا ، كقوله تعالى { قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم } و قوله { و قد فصل لكم ما حرم عليكم } ، فالتوسع في التحريم والمنع و التكلف و التعسف في الاستدلال على التحريم أمرٌ مخالف لروح و منطوق الكتاب العزيز .

أما الإباحه فإن الشارع قد جعلها هي الأصل ، و نجدها تخلو من التقييد ، كقوله تعالى { هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا } و قوله تعالى { و سخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه } ، و كذلك نفى الله تعالى الحرمة عن الاستمتاع بمطلق مخلوقاته فقال { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده و الطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامه } .



من هذه النصوص السابقة استخلص الفقهاء قاعدة فقهية جليلة و هي ( الأصل في الأشياء الإباحة ) ، و بذلك فإن المبيح لشيء ما لا يحتاج إلى دليل لأنه يستصحب الأصل بخلاف المحرّم فإن عليه أن يأت بالدليل على الحرمة، والنتيجه الحتمية لهذه القاعدة أن أصناف المباحات غير قابلة للحصر ، بخلاف المحرمات ، و هذه القاعدة منسجمة مع مقصد الشارع من رفع الحرج ، لأن الأشياء لا حصر لها ، فلو كان الأصل في الأشياء الحرمة لكانت المحرمات غير متناهية وهذا لا يتناسب مع الرحمة بالمكلف و رفع الحرج عنه .

إن الموازنة بين دليل ( سد الذرائع ) و قاعدة ( الأصل في الأشياء الإباحة ) مع مراعاة رفع الحرج لا يقدر عليه إلا الحذاق من أهل العلم لا المبتدئين و أهل العموميات لذلك يقول سفيان الثوري رحمه الله : " إنما الفقه الرخصة من ثقة ، أما التشديد فيحسنه كل واحد " ، فلو لم تتم مراعاة كل ذلك لأصبحت أحكام الشريعة عبارة عن مجموعة ( أحوطيات ) !!




والله الهداي إلى الحق والصواب..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق