الاثنين، 13 ديسمبر، 2010

شرعنة الاستبداد


كم هي سيئة تلك التبريرات المختلفة التي تأتي في سياق الحملة المسعورة التي تقوم بها السلطة ضد المواطنين ونواب الأمة، لكن أسوءها هي التبريرات الشرعية التي تحاول أن تُشرعن امتهان كرامة الناس وانتهاك حرياتهم والتعدي على حرماتهم .

إن تلك المبررات تسيء إلى الشرع قبل أن تسيء إلى قائلها، أو إلى الناس الذين أصابتهم السلطة ببطشها وتهورها، فتلك المبررات تحمل جناية على الشريعة، وتقوّلا على الله بغير علم، فلا أسوء من أن يتم ربط تلك الانتهاكات الظالمة بشريعة الله العادلة التي هي "عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه" كما قال ابن القيم .

إن محاولة ربط الاستبداد والجور بهذه بشريعة الله هي محاولة لتزييف الشريعة وتزوير أحكامها، وهذا من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

في ظل أجواء القمع التي نعيشها هناك من يسعى لتوظيف نصوص السمع والطاعة الواردة في الكتاب والسنة توظيفا سيئا، يهدف إلى ترسيخ الاستبداد، وإضفاء الصفة الشرعية على تلك الإجراءات التي فيها امتهان لكرامة الناس، وتقييد لحرياتهم، وانتهاك لحرماتهم، وأن السكوت على تلك التجاوزات والرضى بها من صلب الشريعة، ومما أوصى به الله ورسوله.


هذا التوظيف السيء، لم يأت فقط على لسان أصحاب الثقافة السطحية، وإنما تجاوز إلى بعض أعضاء مجلس الأمة، بل وقيادات وزارة الداخلية، لذلك كان لا بد من التوضيح والبيان.


إن ذلك التوظيف السيئ للنصوص الشرعية فيه قفز على كثير من طرق الاستنباط والاستدلال ، والسياقات التي جاءت فيها النصوص، فيتم ذلك التوظيف بطريقة سطحية يسهل تسللها إلى الثقافة الشعبية.


يأتي هذا الاستدلال بنصوص السمع والطاعة متجاهلا السياق الظرفي الذي جاءت به النصوص والذي يساعدنا على فهما وتنزيلها التنزيل الصحيح، فنصوص السمع والطاعة جاءت إلى مجتمعات عربية كانت تأنف من تلقي الأوامر، وتأبى أن تُحكم أو أن تتقيد بأي قانون، فالذي يحكمهم هو منطق الشاعر الذي يقول:


أما الملوك فإنا لا ندين لهم *** حتى يلين لضرس الماضغ الحجرُ


وقد كانت هذه الحالة حاضرة في أذهان شُرّاح السنة وهم يتناولون أحاديث السمع والطاعة، يقول الحافظ ابن حجر "وكانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون عن الأمراء". لذلك كانت هذه النصوص ضرورية لبناء الدولة عند أناس لم يعرفوا شكل الدولة والتنظيم والقانون، وتأبى نفوسهم كل ذلك.


لذلك يجب فهم هذه النصوص بهذه الروحية التي تعطي اعتبارا لبناء الدولة المحترمة التي يتوافق أفرادها على نظامهم السياسي الذي يكفل لهم حقوقهم ومشاركتهم السياسية، لا بروحية التسليم المطلق، والانقياد الأعمى.


أما من يستدل بهذه النصوص فإنه يأتي بها في سياق يناقض مقصودها، فهم يستدلون بها لتبرير تعسف السلطة، وخروجها على القوانين، وانقلابها على الدساتير والمواثيق، فالقوى الحية في المجتمع تريد أن تحتكم إلى دستور تلتزم جميع الأطراف به كعقد وميثاق ملزم للكل، وتُحكم بقوانين يتساوى الكل أمامها، أما من يستدلون بهذه النصوص، فإنهم يأتون بها في سياق تبرير خروج السلطة على الدساتير والمواثيق والقوانين، والإنقلاب عليها.. فانقلبت الآية، ووضعت النصوص في غير محلها.


يأتي الاستلال أيضا بهذه النصوص دون تقييد أو اشتراط، وكأن الطاعة تكون لذاتها، أو لذات الحاكم دون أي اعتبار آخر، وهذا أمر مخالف حقيقة تلك النصوص ومقصودها، فحتى الآية التي يرددونها دائما لشرعنة الخنوع، وهي قول الله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} لم تأت الطاعة فيها على إطلاقها، ولم تجعل لولاة الأمور طاعة مستقلة عن طاعة الله ورسوله، إنما جعلتها تابعة لها، ومتوقفة عليها، لا مستقلة عنها، ويدل على ذلك، الجزء الآخر من الآية الذي يتحاشى هؤلاء القوم ذكره، وهو قول الله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله} أي إن تنازعتم مع السلطة، فإن الحَكم هو كتاب الله، وسنة رسوله، ليست السلطة نفسها هي الحكم، وإنما تحتكم الأمة والسلطة لمرجعية واحدة ملزمة للطرفين.

هذا النص يحدد المرجعية التي يُرجع إليها في حال التنازع بين الأمة وولاة الأمور، مما يدل على أن العلاقة ليست بعلاقة تبعية مطلقة وطاعة عمياء، وإنما قد يتخللها تنازع وخلاف، فكان لا بد من تحديد المرجعية الملزمة لجميع الأطرف.

أصحاب التوظيف الاستبدادي للنصوص يتجاهلون هذا الأمر، ويصوّرون العلاقة بين الأمة وحكامها بأنها علاقة تبعية مطلقة، وانقياد، وسمع وطاعة دون قيد أو شرط.

إن الخلل الواضح عند الراغبين في شرعنة الاستبداد يكمن في المنهج المزدوج في أخذهم بالنصوص، فكما أن هناك نصوص تحث على السمع والطاعة وتقيدها بـ (الطاعة في المعروف) فإن هناك نصوص أخرى تحث على تقويم السلطة وعدم السكوت على باطلها، ورفض الانقياد لها في حال خروجها على الاشتراطات والقيود التي تحد من تغوّلها واستبدادها، وهذا واضح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {ثم تخلف من بعدهم خلوف، أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} (رواه مسلم 50)

وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع...} (رواه مسلم 1845) فمتابعة السلطة عند انحرافها، والرضا بذلك منكر عظيم يجب التصدي له بالوسائل المشروعة.
وقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم خطابه للأمة، وأمرها أن تأخذ على يد الظالم، وأن تمنعه من الظلم وتواجهه بظلمه، وإلا فإن العقاب والعذاب سيعمهم جميعا، فقال صلى الله عليه وسلم : {.. ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم ثم يلعنكم كما لعنهم} (رواه أبودواد والترمذي)

وقال : {إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: ياظلم، فقد تودّع منها} (رواه أحمد والحاكم)

فرفع الظلم ومواجهته هو من صميم وظيفة الأمة، وواجبها، لأن السكوت على الظلم والجور يؤذن بعموم البلاء على البلاد والعباد، قال صلى الله عليه وسلم: {إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} (رواه أبو داود والترمذي)

وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من يُقتل بسبب قول كلمة الحق بسيد الشهداء، فيكون هو وحمزة بن عبد المطلب سواء، قال صلى الله عليه وسلم: {سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله} (رواه الحاكم )

وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا التوازن بين السمع والطاعة في المعروف ووفق الاشتراطات المتوافق عليها، وبين الحق في تقويم السلطة إذا انحرفت، فهذا أبو بكر الصديق يقول في خطبته الشهيرة عند توليه الخلافة : " .. وإن أسأت فقوّموني"كل هذه النصوص تشير إلى أنه ليست هناك طاعة مطلقة، وأن الأمة مأمورة أن تقيم الحق، وأن تحاسب السلطة، وتأخذ على يدها إذا جارت أو جاوزت حدودها.

وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا التوازن بين السمع والطاعة في المعروف ووفق الاشتراطات المتوافق عليها، وبين الحق في تقويم السلطة إذا انحرفت، فهذا أبو بكر الصديق يقول في خطبته الشهيرة عند توليه الخلافة : " .. وإن أسأت فقوّموني"


إن الشريعة عدل كلها ورحمة كلها، فإذا جاء من يريد أن يجعلها نصيرة للظلم، وسندا للجور، فقد أعظم الفرية على الله ورسوله...


والحمد لله رب العالمن

هناك 6 تعليقات:

  1. ربي يزيدك من فضله

    ردحذف
  2. جزاك الله خير، فكم الأمة بحاجة إلى هذا التأصيل لإزالة الكثير من الإشكالات التي التبست على الكثير، وحبذا لو كتبتم بحثا تستقرؤون به جميع الأحاديث في المسألة بعد غربلتها لشرحها وفق سياقها الصحيح فتكتمل حجية الفكرة بتأصيلها الشرعي.

    ردحذف
  3. رائع جدا هذا المنطق هو بالضبط ما نحتاجه الان ، في الوقت الذي يخلط الناس فيه بين العبودية و الطاعة

    ردحذف
  4. مقال جاء في وقته وفي محله ، نحن الآن لدينا عقد بين الحاكم والمحكوم ، ولا ينبغي أن يفهم المتدينون النصوص الشرعية بعيدا عن البعد التاريخي ، فالإنسانية الآن توصلت إلى طرق جديدة في إدارة الخلاف على مستوى الحكم فلا ينبغي أن تغيب النظرة الشرعية عن هذا الواقع الجديد وهي التي لم تغب عن الواقع في فترة النبوة والخلافة الراشدة .
    أحمد من منتديات الديوانية

    ردحذف
  5. العلم النافع يؤخذ عن العلماء الربانيين الذين شابت لحاهم في العلم وليس منك يامتفلسف
    و نصوص السمع و الطاعة خرجت من مشكاة النبوي التي أوحى الله بها لنبيه صلى الله عليه و سلم وهي شريعة خالدة و صالحه لكل زمان و مكان
    و كل علماء السنة و الأثر يقولون بالسمع و الطاعة لمن تأمر علينا و لو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف في غير معصية الله , فإن أمر بمعصية فلا سمع و لا طاعة وليس طاعة عمياء مطلقة كما تقول

    وعجبت لك تريد من الأمة كلها أن تقوم الحاكم هل تريدها همجية أم غوغائية

    ما أقبح الجهل كيف يجعل الإنسان ثوريا

    اقرأ ما كتبه علماء الإسلام في عقيدة أهل السنة و الجماعة كالعقيدة الطحاوية و العقيدة الواسطية وعقيدة أهل الحديث
    و استفد من كتب علمائنا المعاصرين كابن باز و ابن عثيمين و الألباني رحمهم الله

    و تخلط بين النصوص فتدخل المحكم بالمتشابه
    و تدخل أحاديث الانكار في أحاديث السمع و الطاعة
    فالانكار على الحاكم يكون سرا لا جهرا أمام الناس و فوق المنابر بل (عند سلطان جائر )و ليس من ورائه وظرف المكان (عند) معروف عند العرب معناه
    أخرج البخاري في(( صحيحه )) – كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية –
    ومسلم في (( صحيحه)) كتاب الإمارة (119)،
    عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :
    (( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ))
    أخرج مسلم في (( صحيحه )) (126) – وبوب عليه النووي فقال - :
    باب في طاعة الأمراء وأن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال :
    سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله !
    أرأيت أن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟
    فأعرض عنه ثم سأله ؟ فأعرض عنه،
    ثم سأله في الثانية – أو في الثالثة - ؟ فجذبه الأشعث بن قيس، وقال:
    (( أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ))
    أخرج مسلم في (( صحيحه )) (127) عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – قال :
    قلت : يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟
    قال ((نعم ))،
    قلت : هل وراء ذلك الشر خير ؟
    قال (( نعم ))
    قلت فهل وراء الخير شر ؟
    قال : (( نعم ))
    قلت : كيف ؟
    قال: (( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي،
    وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ))
    قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله – أن أدركت ذلك ؟
    قال : (( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع )).

    و النصح للأمير يكون سرا وليس الأمة كلها تقومه و تأطرؤه على الحق أطرا فهي لعوام المسلمين ودليل ذلك فعن شريح بن عبيد رضي الله تعالى عنه قال قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم ألم تسمع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية ولكن يأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه). رواه ابن أبي عاصم. وهذا المعنى هو ما فهمه أسامة بن زيد رضي الله عنه فقد قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه. متفق عليه

    هذه نصيحة لك أهديها أدع الله من قلبك صادقا أن يهديك الصراط المستقيم و ابحث عنه بانصاف و بدون اتباع للهوى تجده إن شاء الله لأنه سبحانه هو الهادي و لا هادي سواه

    ردحذف
  6. لقد عرفت من اين جاءك الداء و إذا عرف الداء عرف الدواء
    داءك يا عزيزي من كتب القرضاوي و العودة و الغزالي الذين يسيرون على منهج الأخوان المسلمين بمصر الثوري المائع المتلون كالحرباء بحسب سياسة الأوضاع و الأحوال و تاريخهم معروف لمن قرأ كتبهم

    و أما كتاب الدكتور حاكم المطيري فلقد قرأته و عرفت أن الدكتور أعتقد ثم أخذ يجمع الأدلة التي تأيد اعتقاده الثوري على الحاكم الجائر و أخذ يأول الأدلة التي تصادم اعتقاده أو يضعفها
    ولذلك فقد أخرج الشيخ حمد العثمان كتابا جميلا اسمه الغوغائية هي الطوفان ليتك تقرأ الصفحات الأولى فقط من الكتاب لترى ماذا يفعل الهوى بصاحبه

    أخوك الناصح لك باسم
    basem1400@gawab.com

    ردحذف