الخميس، 26 ديسمبر، 2013

تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب (2)



للاطلاع على الجزء الأول: تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب: إضغط هنا


تأتي الاستقالات التي تقدم بها ثلاثة من الوزراء في حكومة أردوغان في سياق الأزمة السياسية التي تعصف بتركيا هذه الأيام، والتي فجّرها الصراع بين أردوغان وحلفائه السابقين من جماعة "فتح الله كولن" الدينية ذات الميول الصوفية، بعد أن أوقف أردوغان دعم المدارس الخاصة التابعة للجماعة..

أسفرت هذه الأزمة عن اتهامات بـ "فضائح فساد" طالت أقارب وزراء في حكومة أردوغان، وألقي القبض على بعضهم من قبل الأجهزة الأمنية التي تحظى جماعة "كولن" بنفوذ واسع فيها.

بطبيعة الحال فإن فضائح الفساد التي تطال المسؤولين تحصل في العديد من الحكومات في الأنظمة الديمقراطية المستقرة، والتي تحمل قدرا عاليا من الشفافية، وهذا لا يقلل من خطورة الفساد، أو يعد مبررا له، ولكن ما يبعث على الطمأنينة أن مثل هذه التهم عندما تكون في إطار أنظمة مستقرة وذات شفافية، وقضاء يحظى باحترام وثقة الجميع، وفإنه يتم معالجتها من خلال مسارين:

الأول: المسار القضائي حيث يتم التحقيق بنزاهة وشفافية، ثم يصدر الحكم القضائي الذي يطمئن له الجميع.

الثاني: المسار السياسي، ويتمثل في مدى اقتناع الرأي العام بتهم الفساد، وهل يستمر في منح الثقة عبر صناديق الاقتراع لمن وُجهت لهم تلك التهم؟

من خلال هذين المسارين يمكن التعامل مع القضايا التي تعصف بالساحة التركية، بعيدا عن تهويل العلمانيين العرب، الذين يتعاملون معها بنفسية المَوْتور [الموتور هو من قُتل له قريب ولم يستطع الأخذ بثأره] وأيضا بعيدا عن التهوين الذي يقوم به بعض المبالغين في الحماس للتجربة التركية، كما لا ينبغي استبعاد سياق تصفية الحسابات، والخصومات السياسية والفكرية التي تحكم وتحرك المشهد برمته.

ليست المصيبة الكبرى في مجرد وقوع الفساد من أي طرف سياسي، لكن المصيبة الأكبر هو في غض الطرف عن الفساد، والتستر عليه، وعدم إفساح المجال للمسارين القانون والسياسي لكي يأخذا حاصلهما في العمل، ولعل بوادر التعامل الجيد مع تهم الفساد تجلت في تصريح الرئيس عبدالله غل حيث قال: لن تجري التغطية على أي فساد في تركيا، وقيام وزراء بتقديم إستقالاتهم، بالإضافة إلى التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الوزراء يوم أمس، والذي أكد بأنه لن يتسامح في قضايا الفساد، لأن غض الطرف عنها يعني هدم المبادئ التي من أجلها قام الحزب.

تقع ردود الأفعال تلك في خانة "التصرفات المسؤولة" من قِبل الحكومة التركية، وتعتبر تفاعلا جيدا مع الحدث، ويبقى الأمر الآن في عهدة  القضاء ليقول كلمته في المتهمين، وعند الرأي العام التركي ليقول كلمته في من يدير هذه الحكومة، وفي جميع الأحوال ستكون هذه الأزمة بكل تداعياتها رصيدا في يصب في صالح تجربة حزب الحرية والعدالة ذي الجذور الإسلامية!

نعود إلى لعلمانيين العرب الذين وجدوا في هذه الأزمة فرصة كي يستعرضوا مركبات النقص التي يعانون منها، وبالتالي فلن يلتفتوا إلى أي إجراءات تمت –أو ستتم- في التعامل مع هذه الأزمة، ولن يقفوا عند أي أبعاد أخرى للقضية، فالمسألة بالنسبة لهم هي: تهم تمثل صيدا سمينا، فيجب استغلالها بأقصى ما يمكن للتشهير بحكومة أردوغان، وتلويث تجربته، ولا يهم أي شيء آخر!


وعين الرضى عن كل عيب كليلةٌ *** كما أن عين السخط تبدي المساويا


الأربعاء، 25 ديسمبر، 2013

تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب!



يتلقى العلمانيون العرب (قوميون، يسار، ليبراليون...) أي خبر سلبي عن تركيا بالتصفيق والتهليل ويطيرون به في الآفاق، كنوع من تعزية النفس، بعد فشل العديد من تجاربهم في الدول العربية والإسلامية، وأصبحوا يعانون من عزلة شعبية، حيث لم يستطيعوا الوصول إلى مراكز القرار إلا عن طريق دبابات العسكر، أو في ظل حكومات استبدادية أو عشائرية، نتيجة فشلهم في الحصول على الثقة الشعبية في العديد من اختبارات الصناديق، لذلك فإنهم يتعاملون مع أي إخفاق لحكومة أردوغان –ذات الجذور الإسلامية- بحفاوة عالية!


لا شك أن حكومة أردوغان – ذات الخلفية الإسلامية- استطاعت أن تنقل تركيا نقلات نوعية على مستوى العديد من الأصعدة داخليا وخارجيا، فقد عززت من الاقتصاد التركي، وقفزت بمستوى دخل المواطن قفزات كبيرة، كما استطاعت أن تجعل من تركيا رقما صعبا في المعادلة الدولية، ولاعبا رئيسيا في ساحة المجتمع الدولي، إضافة إلى ذلك عززت هويتها الإسلامية  -ولعل هذا أكثر ما أزعج العلمانيين- وتصالحت مع الثقافة العربية، بعد أن كان غاية  طموحها أن تكون في ذيل أوربا، كما أنها حجّمت دور العسكر في الحياة السياسية التركية، والذي كان حاميا للعلمانية المتوحشة التي ظلت تحكم تركيا لعقود، والذي يبدو أنه لم تثِر حفيظة العلمانيين العرب!


هذه الحقائق من الصعب تجاوزها او تهميشها، ولا شك أنها تصب في صالح حكومة أردوغان، ولا ينكرها إلا مكابر، كما يفعل العديد من العلمانيين العرب اليوم، عبر تباكيهم في أي أزمة تمر بتركيا، والسعي لشيطنة الحكومة التركية من خلال هذه الأزمات!

حكومة أردوغان ليست هي الجنة الموعودة، ولا يصح التعامل معها على أنها الخير المطلق، ولا يمكن إنكار إخفاقها في لديها العديد من الملفات، لكن من التضليل الواضح أن نجعل هذه الإخفاقات هي واجهة التجربة السياسية لحكومة أردوغان، وإنما الموضوعية والإنصاف تجعلنا نقيم التجربة من خلال أسئلة محددة، مثل:


- كيف كانت تركيا قبل حكم حزب العدالة والتنمية على الصعيد السياسي  الدخلي،والاقتصاد، والسياسة الخارجية؟


-   أين وصلت تركيا بعد حكم العدالة والتنمية في تلك الأصعدة ؟


-    ماهي أبرز التحديات التي كانت توجه الحزب عند تسلمه للسلطة؟


- هل استطاع التغلب على تلك التحديات؟


نستطيع من خلال الأسئلة الدقيقة أثناء التقييم أن نكون أقرب للموضوعية في الحكم على التجربة، كما أن مثل هذه الأسئلة تقطع الطريق على العلمانيين العرب الذين يصنعون من كل أزمة تركية "بكائيات" يسترون من خلالها فشلهم وخيبتهم!




وللحديث بقية