الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب!



يتلقى العلمانيون العرب (قوميون، يسار، ليبراليون...) أي خبر سلبي عن تركيا بالتصفيق والتهليل ويطيرون به في الآفاق، كنوع من تعزية النفس، بعد فشل العديد من تجاربهم في الدول العربية والإسلامية، وأصبحوا يعانون من عزلة شعبية، حيث لم يستطيعوا الوصول إلى مراكز القرار إلا عن طريق دبابات العسكر، أو في ظل حكومات استبدادية أو عشائرية، نتيجة فشلهم في الحصول على الثقة الشعبية في العديد من اختبارات الصناديق، لذلك فإنهم يتعاملون مع أي إخفاق لحكومة أردوغان –ذات الجذور الإسلامية- بحفاوة عالية!


لا شك أن حكومة أردوغان – ذات الخلفية الإسلامية- استطاعت أن تنقل تركيا نقلات نوعية على مستوى العديد من الأصعدة داخليا وخارجيا، فقد عززت من الاقتصاد التركي، وقفزت بمستوى دخل المواطن قفزات كبيرة، كما استطاعت أن تجعل من تركيا رقما صعبا في المعادلة الدولية، ولاعبا رئيسيا في ساحة المجتمع الدولي، إضافة إلى ذلك عززت هويتها الإسلامية  -ولعل هذا أكثر ما أزعج العلمانيين- وتصالحت مع الثقافة العربية، بعد أن كان غاية  طموحها أن تكون في ذيل أوربا، كما أنها حجّمت دور العسكر في الحياة السياسية التركية، والذي كان حاميا للعلمانية المتوحشة التي ظلت تحكم تركيا لعقود، والذي يبدو أنه لم تثِر حفيظة العلمانيين العرب!


هذه الحقائق من الصعب تجاوزها او تهميشها، ولا شك أنها تصب في صالح حكومة أردوغان، ولا ينكرها إلا مكابر، كما يفعل العديد من العلمانيين العرب اليوم، عبر تباكيهم في أي أزمة تمر بتركيا، والسعي لشيطنة الحكومة التركية من خلال هذه الأزمات!

حكومة أردوغان ليست هي الجنة الموعودة، ولا يصح التعامل معها على أنها الخير المطلق، ولا يمكن إنكار إخفاقها في لديها العديد من الملفات، لكن من التضليل الواضح أن نجعل هذه الإخفاقات هي واجهة التجربة السياسية لحكومة أردوغان، وإنما الموضوعية والإنصاف تجعلنا نقيم التجربة من خلال أسئلة محددة، مثل:


- كيف كانت تركيا قبل حكم حزب العدالة والتنمية على الصعيد السياسي  الدخلي،والاقتصاد، والسياسة الخارجية؟


-   أين وصلت تركيا بعد حكم العدالة والتنمية في تلك الأصعدة ؟


-    ماهي أبرز التحديات التي كانت توجه الحزب عند تسلمه للسلطة؟


- هل استطاع التغلب على تلك التحديات؟


نستطيع من خلال الأسئلة الدقيقة أثناء التقييم أن نكون أقرب للموضوعية في الحكم على التجربة، كما أن مثل هذه الأسئلة تقطع الطريق على العلمانيين العرب الذين يصنعون من كل أزمة تركية "بكائيات" يسترون من خلالها فشلهم وخيبتهم!




وللحديث بقية


الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

زكاة الفطر نقدا




في مثل هذه الأيام من كل عام تثور نزاعات فقهية حول مسألة "حكم إخزاج زكاة الفط نقدا" وليس عيبا أن تكون هناك اختلافات فقهية، لكن المحزن أن تتحول تلك الاختلافات إلى مادة للصراع، والقطيعة، وتبادل الاتهامات، والتشكيك في النوايا، والخروج عن أدب الخلاف العلمي الذي يتسم به الراسخون في العلم، الذين يجسدون مقولة "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"

لذلك فإن هناك العديد من المسائل الفقهية لا يمكن حمل الناس فيها على قول واحد، وأحسب أن الخلاف حولها سيستمر إلي قيام الساعة، فقد بسط كل فريق أدلته، ورد على أدلة الطرف المخالف، وتبادلوا الردود حول وجه الدلالة في كل دليل، وأخذت المسألة حاصلها من النقاش، وبقي كل فريق علي رأيه، فما العمل بعد ذلك؟

لا بديل عن القبول بمثل هذا الخلاف، وتقبل المخالفين، وبإذن الله سيكون الفريقان ما بين الأجر والأجرين بعد أن استفرغوا وسعهم في معرفة مراد الله عزوجل، وكانوا أهلا لذلك، فإنهم لا يأثمون بهذا الاجتهاد، بل هم بين أجر وأجرين، فلا تأثيم في مسائل الاجتهاد، و لا تهاجر بين المؤمنين.. كما قال ابن تيمية

وبهذه المناسبة أرسل لي أخي الشيخ يوسف المهينيي @almaheni وهو باحث دكتوراة في السنة النبوية مقالا مختصرا في هذه المسألة يشرفني أن أضعه بين أيديكم هنا..:





سأتكلم عن مسألة يدور حولها الجدل في كل رمضان عن حكم إخراج زكاة الفطر نقداً فأقول مستعيناً بالله في المسألة قولان :

 القول الأول : هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بأنه لا يجوز إخراجها نقداً لـ :
 
1- ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من إقط أو من زبيب" متفق عليه.

2- قالوا رسول الله حددها وبينها والعدول عن الأصناف المذكورة عدول عن المنصوص.

3- كذلك الخروج عن الأصناف المذكورة فيه مخالفة لفعل الرسول وصحابته الكرام من كونها شعيرة ظاهرة إلى شعيرة خفية.
 


القول الثاني : هو قول الحنفية ورواية عن الإمام أحمد من جواز إخراجها نقداَ لـ :
 
1- قول الله تعالى : "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها"، قالوا الآية عامة تعم كل أصناف الزكاة والصدقات" رواه البيهقي.

2- حديث ابن عباس قال قال رسول الله : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، قالوا فالمقصود منها حصول الإغناء سواءً كان بالطعام أو بالمال.

3- قالوا أما تحديد الأصناف الواردة في الحديث بأنها من باب التيسير على المزكي وليست من باب بيان أن الزكاة الفطر لا تصح إلا بها.


 
تحرير محل النزاع يكون فيما يأتي :
 
1- لماذا لم يأمر الرسول بإخراجها نقداً؟

الجواب : لأن الأموال لم تكن متوفرة في زمنه صلى الله عليه وسلم، فكان الناس يبيعون ويشترون بما يعرف "بالمقايضة" وغيره، لذا أعرض الرسول عن ذكر القيمة وذكر الميسور.
 
خذ على سبيل المثال الرواتب في ذلك الزمان لم تكن مالاً فأبوبكر رضي الله عنه كان راتبه نصف شاه في كل يوم، وعلي بن أبي طالب عمل عند إمرأة بمرتب تمرة مقابل كل دلو يسحبه لها من البئر فتأمل.



2- المال اليوم هو الأحض والأنفع والمطلوب للفقراء، لذا قال رسول الله أغنوهم عن السؤال وهو حاصل بالمال قطعاَ.



3- أما قول الجمهور بأن إخراجها نقداً خروج عن المنصوص فأنتم كذلك قد خرجتم عليه وفهمتم من الأصناف المذكور بأنها غالب قوت البلد، وهذا ليس من النص بل هو فهم عن النص، فالرز الذي نخرجه اليوم في زكاة الفطرة لم يكن معروفاً في عهد رسول الله بل عرفه الصحابة في فتح فارس في عهد الفاروق عمر.



4- أما ما يحصل اليوم بأن نشتري الرز بقيمة 10 دنانير ونعطيها الفقير فيبيعها على التاجر بـ 8 دنانير فهذا من العبث والإضرار في حق الفقير الذي لا تقره قواعد الشرع ومقاصده.



جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر ذهب إليه : الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف  ورواية عند أحمد وإليه ذهب ابن تيمية.

أخيراً الذي أطمئن إليه بعد كل ما تقدم هو إخراجها نقداً لأنه الأحض للفقير وفيه حفظ لحقه من العبث

والله أعلى وأعلم.

الخميس، 25 يوليو 2013

مقال ممنوع!



د. وائل قنديل المتحدث الرسمي السابق لحزب الدستور الذي يرأسه البرادعي، ومدير تحرير جريدة الشروق المصرية  يكتب مقالا  يهاجم فيه الإنقلاب، ويفضح سلوك الإنقلابيين، فيتم منع المقال من النشر بالأمر العسكري.. 

وقد  اعربت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان اليوم,عن اسفها الشديد لقيام جريدة “الشروق” المصرية  بمنع نشر مقال قنديل  في عدد اليوم ، واعتبرته خطأ كبيرا لم يعتده القراء من أحد أهم الجرائد المصرية التي تمتعت بمصداقية كبير، ينبغي اصلاحه حفاظا على المهنية والمصداقية.

لا أدري كيف يفكر الرقيب في هذا العصر؟!

ففي ظل الفضاء المفتوح، والقدرة اللامحدودة على التواصل والاتصال، وتوفر الإعلام البديل، ووسائل التواصل الاجتماعي، يصبح منع مقال من النشر أشبه بالحرث في الماء، فبجرد منع المقال من النشر في الصحيفة، تم تداوله بشكل رهيب في الانترنت، و وسائل التواصل والاتصال، وربما أصبح عدد قارئيه أضعاف ما لو تم نشره في الصحيفة.. !


..إلى المقال..
----------------------------------------------------------------

قالوا فى تسويغ الانقلاب إنه لإنقاذ البلاد من جحيم الحرب الأهلية، لكنهم بعد أيام قلائل كانوا يغذون ماكينة الاحتراب المجتمعى بكميات خرافية من الوقود المحمول فوق خطاب عنصرى يتفوق فى بشاعته على المكارثية الأمريكية فى الخمسينيات.

زعموا أنهم ينقلبون على أول رئيس منتخب فى تاريخ مصر من أجل حقن الدماء وحماية الأرواح، لكنهم فى غضون أيام حصدوا أرواحا أكثر مما خسرته مصر فى عام كامل، والأكثر بشاعة أن القتل الآن صار على الهوية وعلى اللحية والنقاب، تحت مظلة من التحريض والتبرير والتفرقة العنصرية بين دم ودم.

إن مصر تعيش الآن حالة عنصرية شوفينية بامتياز، تجعلنا قريبين للغاية من قيم الهولوكوست والتطهير العرقى، بعد أن انتقلنا من شوفينية سياسية تقوم على استباحة المختلفين واستئصالهم وإزاحتهم من المشهد السياسى، إلى عنصرية مجتمعية متعصبة تضخ خطابا ينفى المواطنة والإنسانية عن قطاعات واسعة من المصريين، ويضعها فى مرتبة الأعداء يجب إبادتهم واجتثاثهم.


إنها تلك اللعبة غير الأخلاقية التى تقوم على صناعة عدو تلصق به كل الشرور والآثام، وتعلق عليه الأخطاء والكوارث السابقة والحالية، باختصار يتم تصويره فى حالة شيطانية كاملة، لكى ينعم من عداه بحالة ملائكية مزيفة، تفتح المجال للفسدة والمطبعين والمجرمين لكى يغسلوا تاريخهم ويداروا سوءاتهم ويدفنوا فضائحهم وجرائمهم.


إن ما يجرى من استباحة لدماء المصريين واسترخاص حياتهم وامتهان حقوقهم كموتى بعد قتلهم، ليس له تعريف سوى أنه ردة حضارية عنيفة وانسلاخ من قيم تجسد الحد الأدنى من الفطرة الإنسانية السوية.


لقد نجح الانقلابيون فى استدعاء الجزء المعتم من الوجود الإنسانى، وإطلاق أسوأ ما فى الشخصية المصرية من نوازع وحشية، بحيث صار المجتمع يمور برغبات الانتقام والتلذذ بالدماء، واستعذاب التضليل والتزييف وقلب الحقائق، لينعم المجرم بإجرامه، ويساق الضحايا إلى الجحيم.


ومن لا يرى فيما جرى للمعتصمين فى ميدانى نهضة مصر ورابعة العدوية جرائم ضد الإنسانية، فليمنح نفسه فرصة صغيرة للاختلاء بضميره لدقائق معدودة، ليدرك أن هناك رعاية رسمية للمكارثية والعنصرية على الطريقة المصرية.


السبت، 20 يوليو 2013

التجربة الإسلامية.. فشل أم إفشال؟!

بعد أحداث مصر الأخيرة، بدأ بعض الكتاب بمحاولة تقييم تجربة الإسلاميين في العالم العربي مع السلطة، وبعد محاولة التقييم يكون الميل إلى الحكم على تجربتهم بالفشل، فلا يوجد حركة إسلامية عربية استطاعت أن تعطي نموذجا مُعتبرا للمشروع الإسلامي في إدارة السلطة!


من الضروري قبل الحكم على التجارب بالفشل أن نفرق بين الفشل والإفشال.. فالفشل يكون عندما يُعطى للتجربة حاصلها الزمني من العمل في الفضاء السياسي، ثم يتم تقييمها بشكل موضوعي بعد فترة زمنية كافية، وقياس نسبة النجاح والفشل في الأداء وفقا للمعطيات على أرض الواقع، عند ذلك يمكن الحكم عليها بالفشل، أما عندما يتم التربص بالتجربة، ومواجهتها بأساليب غير أخلاقية، والعمل على الإطاحة بها بشتى الوسائل الشرعية وغير الشرعية، كاختلاق الأكاذيب حولها، وشن حملات إعلامية قذرة لتشويهها، ثم يتوج كل ذلك بتدخل عسكري إنقلابي، فلا يمكن الحكم على التجربة بالفشل، وإنما هذا تعمد إفشال مع سبق الإصرار والترصد!


نعم.. ليس من واجب خصوم الإسلاميين أن يمهدوا الطريق لنجاح التجربة الإسلامية، بل إن من حقهم أن يَبقوا على خصومتهم، ومن حقهم أن يتصدوا لمشروع خصومهم، كما أن من واجب الإسلاميين أن يكونوا مستعدين للعامل مع مختلف التحديات التي تواجه تجربتهم، لكن يُفترض في الخصومة أن تكون في إطار اللعبة السياسية، مع المحافظة –على الأقل- على الحد الأدنى من أخلاقيات العمل السياسي.


التجربة الإسلامية هي فعل بشري، ونسبتها إلى "الإسلام" لا يعطيها قداسة ولا عصمة، بل هذه النسبة تعطيها أولوية في النقد والتقييم، وإذا وصل الأمر إلى الحكم عليها بالفشل وفق التقييم الموضوعي، فمن واجب الإسلاميين الاعتراف بذلك، لكن في نفس الوقت فإن من حق الإسلاميين أن يُعطَوا الفرصة الحقيقية التي تُعطى لأي حزب في النظام الديمقراطي، وأن تتم مواجهتهم بأدوات اللعبة الديمقراطية، أما أن يتم اللجوء إلى التخوين، والافتراء الصريح، والعبث بمصالح المواطن البسيط من أجل تأليبه على الإسلاميين، والاستقواء بعناصر خارجية، ثم التحالف مع العسكر، فإن كل ذلك لا يمت إلى العمل السياسي الديمقراطي والأخلاقي بصلة، ولا يعطي أي مبرر للحكم على التجربة بالفشل!


أخيرا.. كثيرا ما كان يتخوف خصوم المشروع الإسلامي من أن ينقلب الإسلاميون على الديمقراطية بمجرد وصولهم للسلطة، لكن الواقع والتاريخ أثبتا أن مَن كان يطرح تلك المخاوف هو الذي انقلب على الديمقراطية واستعان بالعسكر، أو برر تلك الاستعانة، عندما وصل الإسلاميون للسلطة بخيار شعبي حر.. ولله في خلقه شؤون!

السبت، 13 يوليو 2013

ظاهرة الـ "ناشط سياسي"


"ناشط سياسي" مصطلح بدأ بالانتشار، وصار يُستعمل في نطاق واسع في وسائل الإعلام، ويُطلق بكثرة على كل مهتم بالشأن العام، أو كل من له موقف من قضية سياسية، أو شارك في الفعاليات والأنشطة السياسية! 


نعم.. البعض ينزعج من هذا اللقب - أنا شخصيا أتحسس منه – فهو وصف غير منضبط، وأصبح أشبه بوظيفة مَن لا وظيفة له، وصار يُعطى لمن شاء دون حسيب أو رقيب، ولمن يستحق ومن لا يستحق، وهذا ما جعل الكثير من الذين منحوا أنفسهم هذا اللقب يتصدرون المشهد السياسي، ووسائل الإعلام، دون أن يكون لهم رصيد حقيقي من العمل السياسي ، أو يكون لهم الوعي الكافي، والدراية المعتبرة بالواقع وأصول اللعبة السياسية.


وبالتوازي مع هذه الظاهرة هناك ظاهرة أخرى صاحبت الأحداث في الكويت، وهي كثرة ظهور الحركات السياسية، والتي تظهر بعضها فجأة، ثم تختفي فجأة، دون أن نعرف لماذا ظهرت، ولماذا اختفت؟! ودون معرفة مَن هي قاعدتها الحقيقية، وما هو ثقلها في الواقع، وما هو برنامجها السياسي!


قبل تناول هذه الظاهرة بالتحليل، أظن بأن من البدهي الإشارة إلى أن حق العمل وممارسة النشاط السياسي، وحق إبداء الآراء السياسية مكفول للجميع، ولا ينبغي أن يكون ذلك محل نزاع أو اختلاف، ولكن هذه لا يعني عدم نقد ممارسة ذلك الحق، أو ترشيده وتوجيهه إلى المسار الذي يُفترض أن يسير فيه.


ربما يعتقد البعض بأن الممارسة التي أفرزت لنا ظاهرة "الناشط السياسي" أو كثرة الحركات السياسية الشكلية، تمثل شكلا من أشكال الفوضى، وعدم الانضباط، وخروجا عن أصول وقواعد العمل السياسي الحقيقي، وبصرف النظر عن صواب أو خطأ هذا الاعتقاد يجب أن نعرف ما هي الأسباب التي أفرزت هذه الظاهرة الملفتة للنظر؟!باعتقادي أن هناك عدة أسباب لهذه الظاهرة، منها:


أولا: وجود شعور عام بدأ يتسلل عند شريحة كبيرة من أبناء المجتمع بأن السلطة التي تدير شأن البلد أصبحت عاجزة عن الإدارة بشكل سليم، وأن استمرارها على هذا النهج سيقود بالبلد نحو الهاوية، هذا الاعتقاد جعل عددا كبيرا من الناس يدخلون إلى المعترك السياسي، كمحاولة لإنقاذ الوضع، والتنبيه إلى مكامن الخلل، والتحذير من الوصول إلى مرحلة الإنهيار، فدخول هذا العدد الكبير من الناس إلى الساحة السياسية هو مؤشر على عدم شعورهم بالأمان على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، فلو كانت الإدارة السياسية في البلد تسير بشكل سليم وآمن، لما غصت الساحة السياسية بهذا العدد من الناشطين والحركات السياسية.


ثانيا: عدم وجود قوانين تنظم الحياة السياسية، فالساحة السياسية لا تحتمل الفراغ، فإن لم تكن هناك قوانين منظِّمة للعمل السياسي فإن البديل هو الفوضى، فلو كانت هناك قانون لتنظيم الحياة السياسية على شكل أحزاب أو جمعيات سياسية تكون هي المحضن لأي ناشط أو نشاط سياسي، وتَشترِط لتأسيس التجمع السياسي عددا معينا من المؤسسين (لا يقل عن 300 شخص مثلا) وتشترط إعلان الأهداف والبرامج، ووجود هيكل تنظيمي معلن، وتقديم تقارير إدارية ومالية بشكل دوري، فلو حصل كل ذلك لما وجدنا كثرة ما يسمى بـ "ناشط سياسي" أو حركات سياسية شكلية ليس لها أي ثقل حقيقي.


ثالثا: أن أكثر التيارات السياسية التقليدية أصبحت تعاني من الشيخوخة والتكلس، وانتقلت إليها الأمراض الحكومية، ولم تعد مصدر جذب لأي شخص لديه رغبة في ممارسة العمل السياسي، ولم تعد تلبي طموح الشباب، أو ترتقي إلى مستوى مطالباته.


أخيرا.. إن التذمر من كثرة وجود الحركات السياسية، وانتشار ظاهرة "ناشط سياسي" دون معرفة جذور الظاهرة، وتحليلها بشكل سليم، سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة من التذمر، قد تستغلها السلطة لتشويه ومصادرة حق العمل السياسي..


السبت، 2 يوليو 2011

وعاظ التخدير السياسي






يلجأ الكثير من الوعاظ الإسلاميين والعلمانيين إلى تحميل الناس وزر التخلف الذي تعيشه
مجتمعاتهم، ويمارسون الجلد في حق هؤلاء الناس الذين هم في غالب الأمر ضحايا لسلطة فاسدة، استطاعت أن تفسد كل شيء في البلاد والعباد، في ذات الوقت يتجنب هؤلاء الوعاظ الحديث عن فساد السلطة إلا بكلام فضفاض.. تبرئة للذمة!


الواعظ الإسلامي يُرجع تخلف المجتمع وفساد السلطة فيه إلى ذنوب أفراده ومعاصيهم، وبُعدهم عن الله، وسوء أخلاقهم، وعدم استقامتهم، فيرسم لهم طريق الخلاص من واقعهم السيئ بالاجتهاد في الطاعات، وترك الذنوب والمعاصي.. عندها فقط يصلح أمر السلطة!


أما الواعظ العلماني، فيكيل الاتهامات إلى عقلية أفراد المجتمع وتخلفهم في الفكر والسلوك، فطريق التغيير عنده يكون بتغيير العقليات، والسلوكيات المتخلفة للأفراد، الذين لا يحق لهم أن يتحدثوا عن انحرافات السلطة، حتى يتخلصوا من تخلفهم العقلي والسلوكي، في مقابل ذلك يتجنب كلا الطرفين الحديث بشكل مباشر وصريح عن فساد السلطة، ودورها في إفساد أخلاق الناس ودينهم، وعقولهم وسلوكهم.


هذا الكلام يجرنا إلى الحديث عن إشكالية "التأثير والتأثر بين الفرد والسلطة" فمن الذي يؤثر في الآخر؟ وهل فساد السلطة هو انعكاس لفساد الأفراد؟ أم أن فساد السلطة وسوء إدارتها هو الذي يوجِد الفساد بين الناس؟!


في البداية لا بد من التأكيد على عدم خلو أي مجتمع من فساد بين أفراده، مهما كان هذا المجتمع صالحا، وسلطته ملتزمة، فالفساد موجود ما دام الإنسان - بكل نقائصه وغرائزه- موجودا، لكن حديثنا هنا عن تجاوز الفساد للحد الطبيعي بحيث يصبح هو الأصل الذي يتطبّع عليه المجتمع، وربما يبرره ويشرعنه.


هذا التأكيد يجعلنا نفوّت الفرصة على أولئك الذي يجعلون من مجرد وجود الفساد الطبيعي بين أفراد المجتمع ذريعة لوقوفهم في وجه أي دعوات للإصلاح السياسي، بحجة أنه لا بد للمجتمع أن يُصلِح نفسه، ويتخلص من عيوبه ونقائصه، بعد ذلك يمارس الدعوة للإصلاح السياسي، متناسين دور السلطة في تحجيم الفساد ومحاصرة الانحراف.. نعم ربما لا تكون السلطة هي مُنشىء هذا الانحراف في كل الأحوال، لكن مجرد سكوتها عنه يُعد بمثابة الضوء الأخضر الذي يعطيه قبولا بين الناس.. هذا إذا لم تمارس السلطة دورا فعليا في إيجاده ونشره وحمايته كما هو الحال في كثير من الأحيان.


يستدل هؤلاء الوعاظ بالأثر المشهور الذي يقول: "كما تكونوا يولى عليكم"، ورغم أن هذا الأثر لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في سنده انقطاع، إلا أن معناه – على افتراض صحة سنده – يختلف تماما عن مقصود من يستدل به؛ فهذا الأثر يُفهم على أنه يفترض في السلطة والولاية أن تكون تعبيرا حقيقيا عن إرادة الأمة، بحيث تكون السلطة انعكاسا لهذه الإرادة، بينما لا يكاد يوجد في العالم العربي – الذي أدمن على هذا الأثر – سلطة تعبر بصدق عن إرادة الأمة دون تزييف أو تحريف، فإذا كانت السلطة هي التعبير الحقيقي عن إرادة الأمة فهنا فقط يحق لمدمني هذا الأثر أن يستدلوا به.


إن التخلف والانحراف الذي تُنشئُه السلطة ينسحب حتى على تفسير النصوص، بحيث تصبح داعمة لهذا الانحراف، بينما يمكن فهم هذا الأثر بأنه يدعو إلى عدم الرضى بالانحراف، فـ (كما تكونوا) في قبولكم وسكوتكم ومتابعتكم للفساد (يوَلّى عليكم) من يسايركم ويقبل بما تقبلون، فهذا النص فيه توجيه إلى عدم الرضى والقبول، وهو مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكون أمراءُ، فتعرِفون وتنكِرون، فمن عرف بَرِىء، ومن أنكر سَلِمْ، ولكن من رضي وتابع" رواه مسلم، فالإثم والعقوبة على من رضي وتابع – كما قال النووي- وذلك لأنه يكرس الفساد، ويعزز الانحراف، فكان الواجب الرفض والإنكار والتقويم.


إن الذين يستدلون بهذا الأثر، ويتشبثون بالفهم المغلوط له يتجاهلون قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – في البخاري - عندما سألته امرأة: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللهُ به بعدَ الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامَت بكم أئمتُكم، فعلّق -أبوبكر- استمرار الصلاح في الناس على صلاح الأئمة والأمراء.


إن الفساد إذا عَمّ، وأصبح مُمَنهجا، وخرج عن حده الطبيعي الذي تحتمه الطبيعة البشرية، وأصبح له رُعاة ودعاة، فإن السلطة السياسية هي المسؤول الأول عنه، ولا يمكن تبريره بقابلية الناس له؛ لأن هذه القابلية ستظل موجودة ما دام النقص البشري موجود، والنفوس البشرية لا تنقاد فقط بالوازع الداخلي، فإن الله يزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. كما قال عثمان بن عفان .


لقد أدرك السلف (الصالح!) أن فساد المجتمع هو انعكاس طبيعي لفساد سلطته الحاكمة، فعندما جيء بالغنائم الثمينة من بلاد الفرس ووُضعت أمام الخليفة عمر بن الخطاب، تعجّب من أمانة الجند الذين أوصلوا هذه الغنائم، فقال: إن قوما أدوا هذا لذَوو أمانة، فرَدّ عليه علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين إنك عففت، فعفت الرعية، كما كتب عمر بن الخطاب في إحدى وصاياه: إن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا.


رجائي أن يكف محترفو الوعظ الديني والعلماني عن جلد مجتمعاتهم، وتحميلها أكثر مما تحتمل، وأن يوجهوا تلك السياط إلى مكانها الصحيح على ظهر السلطة، وأن يدركوا جيدا قول علي بن أبي طالب: الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم في التمثيل والتلقي والتقليد.




ملاحظة: تم نشر هذا المقال في جريدة سبر الالكترونية



- Posted using BlogPress from my iPad

الأحد، 27 مارس 2011

المناعة الثورية



بسبب الطريقة الواحدة الغبية التي تستنسخها الأنظمة في مواجهة الثورة المباركة، تشكلت لدى
الشعوب خبرة جيدة في كيفية التعامل مع هذه الأنظمة الفاسدة، التي لاتتورع عن استعمال كافة الوسائل من أجل الإبقاء على نفسها لفترات أطول.

الطريقة في مواجة الثورة كانت واحدة، مما يوحي بأن العقليات الاستبدادية تفكر بطريقة متشابهة مهما اختلفت الظروف، هذا التماثل في التعامل ساهم في بناء وعي ثوري أكسب الشعوب مناعة عالية ضد الألاعيب التي تمارسها الأنظمة في الإلتفاف على مطالب الشعوب، وتنوعت صور وأشكال هذه المناعة:

١- مناعة ضد دعوات الحوار التي تطلقها الأنظمة في الوقت الضائع، فبعد أن تجاهلت شعوبها لعقود طويلة، تسارع الآن لتقديم عروض الحوار بمجرد أنها استشعرت أن الشعوب جادة في تحركاتها.

إن الأنظمة عندما تدعوا للحوار بعد أن تنطلق رصاصة الثورات، فإنها تسعى لكسب الوقت، ولزعزعة صفوف المعارضة عبر الإغواء والإغراء، وللحفاظ على ماتبقى لها من مشروعية في نفوس الناس، لكن ذلك كله لم يعد ينطل على وعي الثوار بحقيقة هذه الدعوات التي فات أوانها.

يقول جين شارب، وهو أحد أهم المنظرين للثورات السلمية: إن عرض السلام من خلال التفاوض مع الحركات الديمقراطية الذي تتقدم به أنظمة الحكم الدكتاتوري هو عرض خدّاع.

ويقول أيضا: عندما تكون المعارضة قوية، ويكون النظام الدكتاتوري فعلا مهددا، نجد أن الحكام الدكتاتوريين يسعون وراء التفاوض لكي ينقذوا أكبر جزء من الثروة التي لازالت بين أيديهم... وعندما تكون الدعوة أيضا إلى المفوضات في وقت تكون فيه قضايا الحريات السياسية على المحك، فقد تكون هذه الدعوة محاولة من الحكام الدكتاتوريين لجر الحركات الديمقراطية نحو الاستسلام بطريقة سلمية، بينما يستمر العنف لديهم.

تحدث المؤلف بشكل مسهب، وفي فصل كامل عن (مخاطر التفاوض)، فبالإمكان الرجوع إليه في كتابه (من الدكتاتورية إلى الديمقراطية.. إطار تصوري للتحرر) ص٢٥ إلى ص٣٣


٢- صار ت هناك مناعة ضد الخطاب الديني المزوّر، الذي استمرأ التبرير للطغيان، ومصادرة حقوق الناس تحت ذرائع يغلفها بغلاف الشريعة، فيسكت عن ظلم الظالمين، ويمنع المظلومين أبسط صور المعارضة.

بحمد الله تم الشعوب تجاوز هذا الخطاب بعد أن تكشّف وتعرى، ولم يعد يملك مايستر به عورته، فلم يعد مثل هذا الخطاب يقف حائلا بين الشعوب وبينها حقوقها التي كفلتها القانين السماوية قبل الأرضية.
وقد أسهبت في تناول زيف هذا الخطاب على هذا الرابط: هنا وهنا أيضا


٣- تشكلت أيضا مناعة قوية في مواجهة الإعلام الحكومي الذي هو في حقيقته لايمثل الدولة بكل مكوناتها بقدر مايمثل الأنظمة الحاكمة، التي استغلته لضرب كل من يعارض النظام ، بأساليب غير أخلاقية.
هذا الإعلام الذي امتهن التضليل والتزييف، والتلاعب بالحقائق صار مثار سخرية الناس وتندرهم، فلم تعد له أي مصداقية أو اعتبار في وعي الجماهير .

٤- صارت عند الثوار منعة قوية ضد الاتهام بالعمالة، هذه التهمة التي استعملتها كل الأنظمة المتساقطة لضرب مصداقية المتظاهرين، الذين أيقنوا أن هذه الأنظمة ما كان لها أن تستمر هذه السنوات الطويلة لو لم تكن هذه التهمة ثابتة عليها، وصار يصدق عليها المثل العربي: رمتني بدائها وانسلت !

٥- تشكلت عند الشعوب مناعة قوية ضد الحلول الترقيعية التي تلجأ إليها هذا الأنظمة بعد أن تشعر بأن الشعب تحركت بجدية لإسقاط تلك العروش المتهالكة، حيث تقوم الأنظمة في هذه الحالة بتقديم بعض التنازلات كإطلاق المعتقلين، وزيادات شكلية في هامش الحريات، وتوزيع مايسمى بالمكرمات المالية، وتوفير فرص وظيفية.. إلخ
مثل هذه الإجراءات لم تعد تمثل للشعوب شيئا - رغم حاجتهم لها - بعد أن أدركوا أنها تمثل نوعا من التخدير، وأن المشكلة تكمن في الرأس الذي يجب أن يُستأصل !

هذه المناعة التي تمثل جرعة لا يستهان بها من الوعي هي أحد حسنات تلك الثورات المباركة.. فإلى المزيد



- Posted using BlogPress from my iPad