الجمعة، 25 مارس 2011
خطاب اللحظة التاريخية.. البغي نموذجا
من أخطر الإشكاليات التي أبرزتها بوضوح الأحداث الأخيرة في العالم العربي: عدم قدرة البعض ممن يحمل الخطاب الإسلامي على التعامل مع الأحداث بعقلية تجمع بين التأصيل الشرعي العميق، والفهم الواقعي الدقيق، فما زال البعض يتمسك بفهم تاريخي للنصوص التي لها ارتباط في أبواب السياسة الشرعية، فيقوم بإسقاط تلك النصوص بفهمه التارخي الجامد على واقع مغاير ومعقد ومتشعب ومليء بالتفاصيل، فيخرج الخطاب بشكل مختزل وسطحي، بعيد عن الواقع وعن روح الشريعة ومقاصدها !
فاستعمال مصطلحات مثل: الإمام، ولي الأمر، أهل البغي، الخوارج، أهل الحل والعقد.. إلخ، فيه الكثير من التجاوز على الواقع وعلى المضامين الحقيقية لتلك المصطلحات، واشتراطاتها الشرعية، وقفز على سياقها التاريخي، الذي من الضروري أن يكون حاضرا لفهم حقيقتها.
مثل هذا النوع من الخطاب الذي يستعمل المصطلحات الشرعية والفقهية في غير موضعها ومحلها، ،إنما يفتن الناس عن دينهم، ويصرفهم عن الأخذ منه، ويزعزع ثقتهم به، فيرفضوه جملة واحدة؛ لأنه يقف حائلا بينهم وبين رفع الظلم عنهم، ولأنه عاجز عن التفاعل مع حياتهم ومتطلباتهم، فهو خطاب وقف عند لحظة تاريخية معينة، ولم يتجاوزها إلى اللحظة الحاضرة.
وكمثال على ماذكرت فقد تردد في الفترة الأخيرة ذكر مصطلح (أهل البغي) أو (البُغاة) وأُطلق على المحتجّين في البحرين، في سياق تبرير التعامل الأمني مع هذه الفئة، وبصرف النظر عن الاصطفاف المقيت الذي أفرزته تلك الأحداث فإن الزجّ بذلك المصطلح الشرعي فيه نوع من التدليس والتلبيس، فبالإضافة إلى التجاوز في استعماله في هذه الأحداث، فإن من استعمله لم يرجع إلى اشترطاته الفقهية
فالفرقة الباغية كما عرفها الفقهاء:هي فئة من المسلمين خرجت على الإمام الحق الذي يجمع كلمة المسلمين، واتفقوا على إمامته وبيعته، وقد نص الفقهاء أيضا على شروط أخرى يجب توافرها في الإمام الحق، لذلك يذكر المالكية أن يزيد بن معاوية لم يكن إماما للمسلمين؛ لأن أهل الحجاز لم يسلّموا بإمامته؛ لظلمه، وبذلك فإن البغي لا يكون إلا على إمام شرعي مستجمع لصفات الإمامة التي ذكرها الفقهاء، وليس إماما طاغوتيا - كما يقول الشوكاني - فالخارجون على أهل الجور والظلم، المعطلين لشريعة الله لايسمون بغاة.
وقد سُئل الإمام مالك رحمه الله: هل يُقاتل الناس مع الإمام الفئةَ الخارجة؟ قال: إن كان الإمام مثل عمر بن عبدالعزيز، وجب على الناس الذب عنه والقتال معه، وأما غيره فل،ا دعه وما يُراد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما.
فالقتال مع الظالمين هو نوع من الركون إليهم، الذي نهى الله تعالى عنه فقال: {ولاتركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.
وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله الخلل الذي يقع فيه من يدعي الفقه والعلم في الدين، فيحكم ببغي كل من خرج على أي حاكم، وعاب عليهم هذا الخلط، فقال: تجد تلك الطائفة يدخلون في كثير من أهواء الملوك وولاة الأمور، ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم، بناء على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة، وهم في ذلك بمنزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم على نظرائهم، مدعين أن الحق معهم. مجموع الفتاوى ٤٥١/٤
إن مقارنةً بسيطة بين ما ذكره العلماء حول قضية البغي، وبين الواقع، يتضح مدى العبث الذي يُمارس باسم الخطاب الشرعي، لإضفاء الشرعية على كل الإجراءات الحكومية التي تمارس ضد خصومها، سعيا لإسقاطهم والقضاء عليهم، بغطاء شرعي مزيف
- Posted using BlogPress from my iPad
الأحد، 20 مارس 2011
مشروع موحّد.. لمواجهة الأجندات الخارجية
{إن هذه أمتكم أمةً واحدة}
من أبرز التحديات التي تعيشها منطقة شبه الجزيرة العربية أنها تقع تحت تنازع مشروعين خطيرين لايعبران تعبيرا حقيقيا عن هوية أبنائها، وهما المشروع الأميركي، والمشروع الإيراني، فيما يعتقد الكثيرون أن هناك تفاهمات بين هذين الطرفين تتم في الخفاء، من أجل تقاسم النفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة !!
أيّا كانت العلاقة بين هذين المشروعين فإن الخاسر الوحيد هو هذه المنطقة الاستراتيجية التي تمتلك مقومات هائلة قادرة على أن تجعلها ذات شأن عالمي، إذا ما تم استغلالها بشكل صحيح، في إطار مشروع موحد، على الصعيد السياسي والاقتصادي والعسكري
في ظل هذه المشاريع الخارجية لا خيار أمام دول الخليج العربي إلا أن تعمل على تأسيس قدر من الوحدة الحقيقية والفاعلة - أيا كان شكلها - تؤهلها لأن تحمل مشروعا مستقلا عن تلك المشاريع الدخيلة، يعبر بصدق عن تطلعات أبنائها، ويوظف طاقاتها الهائلة توظيفا صحيحا، ويحفظ لها إستقرارا حقيقيا، ويؤهلها لأن تلعب دورا إقليميا وعالميا، وإلا فلا مهرب من الوقوع في شراك تلك المشاريع التي تتنازع أو تتفاهم لتكون لها الكلمة الأولى والأخيرة، ولتكون الضحية الكبرى شعوب المنطقة
ولكي تتحرر المنطقة من هيمنة المشاريع الأخرى لابد أن تتحرر إرادة شعوبها أولا، هذه الإرادة التي ارتُهنت لصالح أنظمة وراثية منعت أبناء المنطقة من أن يمارسوا حقوقهم السياسية في المشاركة في الحكم، وإدارة شؤون البلاد، وأشغلتهم في تغذية الصراعات الداخلية، وفي تخويف أبنائها من بعضهم، عبر تبادل التخوين والتفسيق والتكفير، وبذلك تضمن هذه الحكومات استقرار حكمها، في لعبة هي من أفضل ما تتقنه هذه الأنظمة، وهي لعبة " فرّق تسُد"
إن خيار المشروع السياسي الخليجي الموحّد الذي يحمي المنطقة من هيمنة المشاريع الأخرى لا يمكن أن يأتي في ظل عقلية حكم الأُسر التي ترثنا كما ترث (الأشياء)، وتتعامل في إدارة الدولة من منطلق الملكية الخاصة التي لا تقبل الشراكة، وإنما هو خيار شعوب المنطقة بعد أن تتحرر إرادتها، وتكون قادر على أن تقول كلمتها التي تعبر بصدق عنها.
من هنا كانت محاولات التصدي للأجندات الخارجية على حساب الإصلاح السياسي في المنطقة هو نوع من العبث الذي لن يحل المشكلة بقدر ما يعمّقها، فربما نخرج من أجندة طرف لندخل تحت وصاية أجندة أخرى، فما أسهل أن تبيع هذه الحكومات شعوبها من أجل الإبقاء على نفسها، مستعملة في سبيل ذلك فزاعة الأجندات الخارجية لتعزيز وتثبيت هيمنتها وسيطرتها، ولتضرب أي دعوة للإصلاح السياسي .
مطلوب من شعوب الخليج أن تعي جذر المشكلة، وأن يكون علاجها لخطر الأجندات الخارجية علاجا جذريا، لا انفعاليا، يتمثل في أن يكون للمنطقة مشروعا معبرا عنها، ينبثق من وحدة خليجية، بعد أن تتحرر إرادة أبنائها، لتكون لهم الكلمة الأولى.. وإلا فإننا سنظل فريسة لمشاريع الآخرين.
- Posted using BlogPress from my iPad
الجمعة، 18 مارس 2011
الصعقة الثورية.. وآثارها الجانبية
جزى الله الثورات العربية كل خير، فقد كانت بمثابة الصعقة الكهربائة التي تعطى لقلب المريض بعد أن يقف عن النبض.
لقد جاءت الصعقات الثورية لكي تبث الحياة في الجسد العربي، بعد أن كان يتعفن بسبب التقرحات السريرية التي تسببتها الفترة الطويلة التي كان خلالها طريح الفراش، والأمراض تنهش جسده من كل جانب.
لقد جاءت هذه الصعقات لكي تفيقه من غفلة الوعي التي زينت له الرضى بالظلم، والسكوت عن الإذلال، وشرعنة الاستبداد، والسير في ركاب المستبدين.
مايجب إدراكه جيدا -حتى لانقع في اليأس- أن الإفاقة من الغيبوبة لا تعني كمال الصحة والعافية، بل تعني أن المريض قد تقدم خطوة إلى الأمام في طريق العلاج، وما زالت أمامه خطوات كثيرة، قد تكون أكثر صعوبة من الخطوة التي سبقت، لذلك تحتاج إلى عدة أمور:
١- عدم الجزع من ممايعقب الثورة من اهتزازت مجتمعية، أو اضطرابات أمنية، أو خلخلة في بنية الدولة؛ لأن الثورة -كما قال المستشار طارق البشري- عبارة عن مخاض، والمخاض يصحبه ألم، ويعقبه دم، وهذه طبيعة أي تغيير راديكالي في أي مجتمع.
٢- عدم المبالغة في التخلص من كل ما (ومن) له علاقة بالنظام السابق، الذي أفسد الذمم، ولوّث الأخلاق، وزيّف الوعي، واستعمل في سبيل ذلك الذهب واللهب، لذلك فالأصل هو إعذار الناس، وتفهّم ظروفهم، والأوضاع الاستثنائة التي عاشتها أوطانهم، وأستثني من ذلك المتورطون بقضايا الدماء والأموال، فالذي سفكوا الدم لابد أن يُقتص منهم، والذي سرقوا الأموال والمقدرات لابد وأن يأخذوا جزاءهم، وتُرد الحقوق إلى أهلها.
٣- تقبل الأراء والرؤى التي تختلف في كيفية صياغة الواقع الجديد، والبعد عن الإقصاء والتخوين، وكافة الأساليب التي زرعتها الأنظمة السابقة في نفوس الناس وعقولهم.
٤- الابتعاد عن الأحلام الوردية التي يصوغها الخيال في تصور المرحلة الجديدة، وإدراك أن كون هذه المرحلة أفضل المرحلة السابقة لا يعني أنها خالية من المنغصات والعقبات والهفوات والمشكلات، فالوعي بذلك يمنع من حدوث صدمة شعورية تجعل الإنسان أن ما كان لم يكن .
٥- اشتراك الجميع في صياغة الواقع الجديد، كلٌّ حسب تخصصه، ، كإصلاح العقول والأفكار والتصورات والسلوكيات العامة والنفسيات والمشاعر.. إلخ، وهنا تتراجع مسؤولية السياسيين والقانونيين، ليأتي دور المصلحين الإجتماعيين والدينيين، والمفكرين والمثقفين، والعلماء من شتى التخصصات، ومؤسسات المجتمع المدني، حتى نضمن إصلاحا متكاملا.
ختاما.. أجمل ما في هذه الثورات أن مجرد التفكير فيها وفي طريقة انبعاثها، وتداعيتها، تجعل العقل يخرج من الدائرة المفرغة التي كنا ندور فيها لعقود طويلة..
تحياتي
- Posted using BlogPress from my ipad
الاثنين، 13 ديسمبر 2010
شرعنة الاستبداد
إن تلك المبررات تسيء إلى الشرع قبل أن تسيء إلى قائلها، أو إلى الناس الذين أصابتهم السلطة ببطشها وتهورها، فتلك المبررات تحمل جناية على الشريعة، وتقوّلا على الله بغير علم، فلا أسوء من أن يتم ربط تلك الانتهاكات الظالمة بشريعة الله العادلة التي هي "عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه" كما قال ابن القيم .
إن محاولة ربط الاستبداد والجور بهذه بشريعة الله هي محاولة لتزييف الشريعة وتزوير أحكامها، وهذا من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
في ظل أجواء القمع التي نعيشها هناك من يسعى لتوظيف نصوص السمع والطاعة الواردة في الكتاب والسنة توظيفا سيئا، يهدف إلى ترسيخ الاستبداد، وإضفاء الصفة الشرعية على تلك الإجراءات التي فيها امتهان لكرامة الناس، وتقييد لحرياتهم، وانتهاك لحرماتهم، وأن السكوت على تلك التجاوزات والرضى بها من صلب الشريعة، ومما أوصى به الله ورسوله.
هذا التوظيف السيء، لم يأت فقط على لسان أصحاب الثقافة السطحية، وإنما تجاوز إلى بعض أعضاء مجلس الأمة، بل وقيادات وزارة الداخلية، لذلك كان لا بد من التوضيح والبيان.
إن ذلك التوظيف السيئ للنصوص الشرعية فيه قفز على كثير من طرق الاستنباط والاستدلال ، والسياقات التي جاءت فيها النصوص، فيتم ذلك التوظيف بطريقة سطحية يسهل تسللها إلى الثقافة الشعبية.
يأتي هذا الاستدلال بنصوص السمع والطاعة متجاهلا السياق الظرفي الذي جاءت به النصوص والذي يساعدنا على فهما وتنزيلها التنزيل الصحيح، فنصوص السمع والطاعة جاءت إلى مجتمعات عربية كانت تأنف من تلقي الأوامر، وتأبى أن تُحكم أو أن تتقيد بأي قانون، فالذي يحكمهم هو منطق الشاعر الذي يقول:
أما الملوك فإنا لا ندين لهم *** حتى يلين لضرس الماضغ الحجرُ
وقد كانت هذه الحالة حاضرة في أذهان شُرّاح السنة وهم يتناولون أحاديث السمع والطاعة، يقول الحافظ ابن حجر "وكانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون عن الأمراء". لذلك كانت هذه النصوص ضرورية لبناء الدولة عند أناس لم يعرفوا شكل الدولة والتنظيم والقانون، وتأبى نفوسهم كل ذلك.
لذلك يجب فهم هذه النصوص بهذه الروحية التي تعطي اعتبارا لبناء الدولة المحترمة التي يتوافق أفرادها على نظامهم السياسي الذي يكفل لهم حقوقهم ومشاركتهم السياسية، لا بروحية التسليم المطلق، والانقياد الأعمى.
أما من يستدل بهذه النصوص فإنه يأتي بها في سياق يناقض مقصودها، فهم يستدلون بها لتبرير تعسف السلطة، وخروجها على القوانين، وانقلابها على الدساتير والمواثيق، فالقوى الحية في المجتمع تريد أن تحتكم إلى دستور تلتزم جميع الأطراف به كعقد وميثاق ملزم للكل، وتُحكم بقوانين يتساوى الكل أمامها، أما من يستدلون بهذه النصوص، فإنهم يأتون بها في سياق تبرير خروج السلطة على الدساتير والمواثيق والقوانين، والإنقلاب عليها.. فانقلبت الآية، ووضعت النصوص في غير محلها.
يأتي الاستلال أيضا بهذه النصوص دون تقييد أو اشتراط، وكأن الطاعة تكون لذاتها، أو لذات الحاكم دون أي اعتبار آخر، وهذا أمر مخالف حقيقة تلك النصوص ومقصودها، فحتى الآية التي يرددونها دائما لشرعنة الخنوع، وهي قول الله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} لم تأت الطاعة فيها على إطلاقها، ولم تجعل لولاة الأمور طاعة مستقلة عن طاعة الله ورسوله، إنما جعلتها تابعة لها، ومتوقفة عليها، لا مستقلة عنها، ويدل على ذلك، الجزء الآخر من الآية الذي يتحاشى هؤلاء القوم ذكره، وهو قول الله تعالى {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله} أي إن تنازعتم مع السلطة، فإن الحَكم هو كتاب الله، وسنة رسوله، ليست السلطة نفسها هي الحكم، وإنما تحتكم الأمة والسلطة لمرجعية واحدة ملزمة للطرفين.
هذا النص يحدد المرجعية التي يُرجع إليها في حال التنازع بين الأمة وولاة الأمور، مما يدل على أن العلاقة ليست بعلاقة تبعية مطلقة وطاعة عمياء، وإنما قد يتخللها تنازع وخلاف، فكان لا بد من تحديد المرجعية الملزمة لجميع الأطرف.
أصحاب التوظيف الاستبدادي للنصوص يتجاهلون هذا الأمر، ويصوّرون العلاقة بين الأمة وحكامها بأنها علاقة تبعية مطلقة، وانقياد، وسمع وطاعة دون قيد أو شرط.
إن الخلل الواضح عند الراغبين في شرعنة الاستبداد يكمن في المنهج المزدوج في أخذهم بالنصوص، فكما أن هناك نصوص تحث على السمع والطاعة وتقيدها بـ (الطاعة في المعروف) فإن هناك نصوص أخرى تحث على تقويم السلطة وعدم السكوت على باطلها، ورفض الانقياد لها في حال خروجها على الاشتراطات والقيود التي تحد من تغوّلها واستبدادها، وهذا واضح في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {ثم تخلف من بعدهم خلوف، أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل} (رواه مسلم 50)
وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع...} (رواه مسلم 1845) فمتابعة السلطة عند انحرافها، والرضا بذلك منكر عظيم يجب التصدي له بالوسائل المشروعة.
وقال : {إذا هابت أمتي أن تقول للظالم: ياظلم، فقد تودّع منها} (رواه أحمد والحاكم)
فرفع الظلم ومواجهته هو من صميم وظيفة الأمة، وواجبها، لأن السكوت على الظلم والجور يؤذن بعموم البلاء على البلاد والعباد، قال صلى الله عليه وسلم: {إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه} (رواه أبو داود والترمذي)
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم من يُقتل بسبب قول كلمة الحق بسيد الشهداء، فيكون هو وحمزة بن عبد المطلب سواء، قال صلى الله عليه وسلم: {سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله} (رواه الحاكم )
وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا التوازن بين السمع والطاعة في المعروف ووفق الاشتراطات المتوافق عليها، وبين الحق في تقويم السلطة إذا انحرفت، فهذا أبو بكر الصديق يقول في خطبته الشهيرة عند توليه الخلافة : " .. وإن أسأت فقوّموني"كل هذه النصوص تشير إلى أنه ليست هناك طاعة مطلقة، وأن الأمة مأمورة أن تقيم الحق، وأن تحاسب السلطة، وتأخذ على يدها إذا جارت أو جاوزت حدودها.
وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذا التوازن بين السمع والطاعة في المعروف ووفق الاشتراطات المتوافق عليها، وبين الحق في تقويم السلطة إذا انحرفت، فهذا أبو بكر الصديق يقول في خطبته الشهيرة عند توليه الخلافة : " .. وإن أسأت فقوّموني"
إن الشريعة عدل كلها ورحمة كلها، فإذا جاء من يريد أن يجعلها نصيرة للظلم، وسندا للجور، فقد أعظم الفرية على الله ورسوله...
والحمد لله رب العالمن
الاثنين، 2 أغسطس 2010
إفضح نفسك !!
عند الكثير من الناس القدرة على مواجهة الغير ، ونقده وتحليله ، سواء كان هذا الغير فردا أو جماعة ، وربما تكون هذه الشجاعة في أعين الناس محمودة ، ويعتبر صاحبها إنسانا قويا وحازما ..ولكن هل فعلا هذه هي الشجاعة الحقيقية ؟!!
إن كثيرا ممن يحمل تلك القدرات البطولية لا تكاد تسعفه شجاعته في مواجهة من نوع آخر ، وهي أشد من مواجهة الغير وأعمق أثرا ، ألا وهي مواجهة النفس والذات ، فهي مواجهة عسيرة و صعبة على النفس الإنسانية ، لأنها تجعل الإنسان يفضح نفسه أمام نفسه ويكشف ذاته أمام ذاته ، فيراها على حقيقتها ويكون في مواجهة مباشرة معها .
إن النفس البشرية لديها القدرة على إخفاء عيوبها واختلاق المعاذير للقصور الذي يقع منها ، وتقديم المبررات والمسوغات لأي انحراف تقع فيه ، في المقابل تتضاءل هذه القدرات إذا كانت صادرة من الغير ، فيبالغ الإنسان في اصطياد أخطاء الآخرين وتتبع زلاتهم ويعتبر ذلك نوعا من التذاكي والشجاعة ، لكنها شجاعة ناقصة إن لم تكن مزيفة ، لأنه عاجز عن مواجهة نفسه ، وقادر على مواجهة الآخرين " والعاجز من أتبع نفسه هواها " ، والازدواجية في المواجهة هي نوع هوى النفس .
أستطيع القول بأن النفس البشرية لها ثلاث مكونات رئيسية ، وهي العقل والروح والمشاعر ، أما العقل فهو المعني بإصدار الأحكام وتفهم الواقع وفق قوانين العقل المعروفة ، أما المشاعر فهي المعنية بالموقف الوجداني والشعوري من الحياة بكافة جوانبها ، أما الروح فهي علاقة الإنسان بخالقه المعبود، وبأشواقه الأخروية .
هذه المكونات هي التي ترسم ملامح النفس البشرية وتحدد مساراتها ،لذلك فهي بحاجة إلى المراقبة والمراجعة الدائمة ، فالعوالق التي تعلق بها على مر السنين هي التي تحرفها عن مسارها القويم وتخرج بها عن إطارها المحدد لها ، فإذا لم يتعهدها الإنسان بالرعاية و العناية و المراقبة و المحاسبة التي تكشف حقيقتها فإنه – مع تعاقب الأيام – تتكون للعقل عادات خاطئة وتتحدد للمشاعر مسارات غير متزنة وتسلك الروح في مسالك تلقي بها في مكان سحيق ، فيصعب بعد ذلك التدارك أو التغيير .
إن القدرة عل مواجهة النفس دليل على وعي بالذات ، وتفطن لمسالك النفس البشرية ، فـ " الكيّس من دان نفسه " ، ولا شك أن هذه الإدانة والمواجهة بحاجة إلى دُربة ورياضة كي يتطبع بها الإنسان وتصبح سجية له .. وعند ذلك يتحقق الوعي بالذات
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009
واقعنا السياسي.. بين الفاعل والمنفعل
إن من التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم من حولنا، ولها تأثير رئيسي وكبير على ما يحدث في هذا العالم تلك التطورات التي يشهدها عالم السياسة، فقد أصبح عالم السياسة هو المحرك للعالم، بل هو صانع الأحداث، وأصبح العالم كله بما فيه المسلمون في دائرة التأثّر بما يحدث في عالم السياسة.
و مما يؤسف حقا أن المسلمين اليوم لم يعودوا هم المؤثرين في عالم السياسة، وإنما أصبحوا متأثرين، فهم لا يصنعون الأحداث، وإنما الأحداث هي التي تصنعهم، وكل ذلك نتيجة حالة الضعف العام الذي أصاب أمتنا الإسلامية؛ لذلك فإن من الواجب أن تُبذل الجهود تُسخّر الطاقات لمحاولة رسم مسارات للعمل الإسلامي السياسي تحوّل المسلمين من دائرة ( التأثّر ) إلى دائرة ( التأثير ) في عالم السياسة .
ومما لا شك فيه أن أي تأثير على الساحة السياسية لا بد أن يسنده إطار مرجعي تنظيري صلب يحدد ملامح النظام السياسي، ويرسم مساراته، ويحدد له الأهداف والغايات، حتى يكون قادرا على أن يسير بخطى ثابتة في عالم صراع الأفكار.
وقد شهدت ساحة الفكر الإسلامي العديد من الدراسات حول النظام السياسي في الإسلام، وما يتعلق به، محاوِلَةً رسم إطار التصور العام للنظام السياسي في الإسلام، ومدى مواءمته لما يحدث في العالم المعاصر، وقد تجاذبت تلك الدراسات العديد من الآراء والتصورات التي تتفق في الكثير من مبادئها، وتتقاطع في العديد من التفصيلات، وهي جهود مشكورة، ولكن تبقى ساحة الفكر السياسي الإسلامي بحاجة إلى المزيد من المتابعات والتأصيل والترشيد لتلك الجهود المبذولة، وكذلك هي بحاجة إلى اجتهادات معاصرة تضع في اعتبارها الأصول الإسلامية التي تحكم العمل السياسي والواقع العام وما فيه من تعقيدات، بحيث تكون قادرة على فتح آفاق جديدة في هذا المجال عبر طرح الرؤى وتوليد الأفكار والمفاهيم الجديدة .
الأحد، 9 أغسطس 2009
المنكرات السياسية
إن المنكرات السياسية ذات تأثير عميق في واقع الحياة، و لها تأثير مباشر في ظهور وتنامي بقية أنواع المنكرات.. العبادية و الأخلاقية و السلوكية.. ، فإذا انغمست السلطة في المنكر السياسي؛ فإن الواقع سيكون أرضا خصبة لنمو بقية أنواع المنكرات، بل ربما تكون هي الراعي الرسمي لها !!
كلنا يعرف ما حصل في مسألة خلق القرآن، وكيف اقتنعت السلطة السياسية بهذه البدعة العقدية، فكانت هي المروّج لها، وكانت الفتنة عامة لجميع المسلمين وعلى رأسهم العلماء، وهذا يدلنا على البدعة أو المنكر متى ما ارتبط بالسلطان، وكان هو الراعي له، فإن البلاء يتضاعف والفتنة تعم، ويعم شرها وضررها.
إن المنكرات السياسية – و للأسف – كثيرة في عالمنا العربي و الإسلامي، ولا يتم التصدي لها من زاوية أنها منكر يتعارض مع قواعد وأصول السياسة الشرعية في الإسلام.
و من تلك المنكرات احتكار السلطة، و حصرها في فئة محددة لا يشاركها أحد، و إنما هي التي تختار من يشاركها عبر إلقاء شيئ من فتاتها الذي لا يسمن و لا يغني من جوع، و هذا يقع تحت مسمى استبداد الحكم و مصادرة حق أصيل من حقوق الإنسان والأمة، وهو حق اختيار الحاكم و تداول السلطة، وهو حقٌ مكفولٌ شرعا وعقلا.
ومن المنكرات السياسية السكوت عن الظلم، والهيبة من الصدع بالحق ومواجهة الظالمين، تحت شتى الذرائع التي لا تعجز كثير من العقول الإسلامية عن إيجادها بمهارة فائقة، تبرر السكوت والخضوع والخنوع، الذي يدخل في نهاية الأمر في قول النبي صلى الله عليه وسلّم: «إذا رأيتم أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك أنت ظالم، فقد تُوَدِّع منهم » رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد
و من المنكرات السياسية العظيمة أن لا يكون للدولة سلطة وسيادة حقيقية على أراضيها، بحيث تنتهك تلك السيادة من قِبل الأجنبي، في ظل انبطاح كامل، وسكوت قاتل من قبل السلطة لمثل هذا التدخل السافر وصمت مطبق من قبل القوى الشعبية الحية، و مع كل ذلك يفتخرون بدولة القانون والسيادة .
علم ودستور ومجلس أمةٍ *** كل عن المعنى الصحيح مُحرَّف
أسمـاء ليس لـنا سـوى ألفاظها *** أمـا مـعانيها فليست تُعْرَف
كلمة سريعة
إن السلطة السياسية لن يزعجها كثيرا أن يحارب المصلحون المنكرات الأخلاقية و العبادية والعقائدية والسلوكية، بل ربما تشاركة في التصدي لها ، لكنها تتخذ موقفا مغايرا عندما يتعلق الأمر بالمنكرات السياسية !!