الخميس، 11 يونيو 2015

خيبة كامب ديفيد









يبدو أن دول الخليج لم ترجع من قمة كامب ديفيد بضمانات لأمنها وعلاقاتها الاستراتيجية بشكل كافٍ، بقدر ما رجعت بإلتزامات من جانبها، تحدد الدور المطلوب منها في المرحلة المقبلة، وهذا من شأنه أن يعزز المخاوف الخليجية لا أن يبددها، وخصوصا أن البيان الختامي للقمة استعمل كلمة "إمكانية" عند حديثه عن استخدام القوة العسكرية للدفاع عن أمن دول مجلس التعاون!

من الواضح أن أميركا تسعى لرسم المطلوب خليجيا قبل توقيع الاتفاق النهائي مع إيران في يونيو القادم، وهذا الدور قد يصب في نهاية المطاف لصالح الجانب الإيراني، ويعزز دوره كقوة إقليمية تقود المنطقة، وكحليف استرتيجي محتمل للولايات المتحدة، وهذا قد يجعل لإيران أولوية على الخليج في العلاقة بالولايات المتحدة، فإذا كانت إسرئيل لها الأولوية في العلاقات الأميركية، تأتي بعدها الدول الأوربية، ثم دول الخليج، فبعد أن يتم توقيع الاتفاق الايراني الأميركي ربما تحل إيران محل دول الخليج في سلّم أولويات العلاقات الاميركية!

ذهبت دول الخليج إلى كامب ديفيد للحصول على ضمانات أميركية، لكنها عادت وقد قدمت ما يشبه التعهدات بمكافحة الإرهاب و "اعتراض سبيل المقاتلين الاجانب" و”التصدي للتطرف العنيف في كافة أشكاله” وكل ذلك تحصيل حاصل، فلم تكن دول الخليج بحاجة إلى الذهاب لكامب ديفيد من أجل تأكيد هذا الأمر، ولم يكن ذلك هدفها من حضور القمة، كما أنها قدمت ما يشبه التعهدات بأنها لن تكرر ما قامت به في عاصفة الحزم، أو في أي عمل عسكري خارج حدودها دون "التشاور مع الولايات المتحدة"

جاءت قمة كامب ديفيد لتقطع الطريق على دول الخليج في أن يكون لها دور حازم في مناطق النزاع في الإقليم، فعندما تحدث البيان الختامي عن (سوريا، والعراق، واليمن، وليبيا) أكد على  "أنه ليس هناك من حل عسكري للصراعات الأهلية المسلحة في المنطقة، والتي لا يمكن حلها إلا عبر السبل السياسية والسلمية، واحترام سيادة كافة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية" وهذا يعني أن تبقى هذه المناطق بؤرا مشتعلة أطول وقت ممكن، بعيدا عن نفوذ دول الخليج!

من اللافت للنظر عند حديث البيان عن اليمن أنه تجاهل ما قام -أو يقوم به- الحوثيون من هيمنة بالقوة، وقصف الأبرياء والآمنين، وانقلاب على الشرعية،  فلم يُدن ذلك، بل تحدث عن تنظيم القاعدة في اليمن وضرورة مواجهته! كما تعهدت دول الخليج بدعم الحكومة العراقية، والتي تقود المليشيات الطائفية!

يبدو أن رياح كامب ديفيد جاءت بما لاتشتهي سفن الخليج، لتحطم الصورة الخليجية التي بدأت تتشكل في أعقاب عاصفة الحزم، بأنها قادرة على صنع الحدث بحزم واستقلال، ولتُبَدد أي أحلام خليجية في القيام بأدوار من شأنها أن تعزز نفوذها.

الخميس، 7 مايو 2015

يا واش يا واش ياعلم !



لم أتصور أن الكتابة الصحفية قد أصبحت متعبة، وتتطلب قدرا من التيقظ يفوق ما كان عليه الوضع في السابق، ففي ظل التدفق المعلوماتي الهائل، والرغبة الجامحة لوسائل الإعلام في أن تتصدر شاشاتها عبارة "عاجل"، ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي التي صنعت ما يُعرف بـ "إعلام المواطن" الذي يستطيع كل إنسان فيه أن يصبح مصدرا للخبر، يحرره وينشره بواسطة جهازه الذكي، بعد أن كان ذلك حكرا على المؤسسات الإعلامية الكبرى والتقليدية،  في ظل هذه الثورة المعلوماتية تصبح مهمة كتابة المقالات أشبه بالسباق مع الزمن.. والذي تفشل في إدراكه أحيانا كثيرة!

ما إن تنتهي من كتابة مقال عن الحرب على الحوثيين، وعناصر القوة عندهم، حتى تفاجأ بقرارات مجلس الأمن بالتضييق على الحوثيين وحظر تصدير السلاح لهم، ليتحول المقال في لحظات إلى جزء من التاريخ!

تخطط لكتابة شيء عن الاتفاق الإيراني الأميركي،  وما هي المكاسب التي حققتها وستحققها إيران من وراء ذلك الاتفاق، فيسارع المرشد الأعلى للثورة إلى التحذير من إمكانية إنهيار هذا الاتفاق في أي لحظة، فتنهار معه فكرة المقال!
وفي الوقت الذي تستعد فيه لإرسال مقال عن تصريحات وزير التربية، والذي خلط فيها الحابل بالنابل، وتهجم على مؤسسة تعليمية كبرى (التطبيقي) بكلام فئوي وإقصائي، وتحدث بكلام ملتبس عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، تأتي الأخبار بأن الوزير يقوم بمحاولات "ترقيعية" لإصلاح ما يمكن إصلاحه مما قاله في لقائه مع جريدة القبس، فتضطر إلى عدم إرسال المقال!

  وتتوارد الخواطر لكتابة مقال عن مناورات علي عبدالله صالح، وخبثه السياسي، وانتقاله من تحالف إلى آخر، وإتقانه اللعب على تناقضات مجتمعه، فتأتي الأخبار سريعا بأنه يطلب خروجا آمنا له ولأسرته، واستعداده للتعاون مع التحالف الخليجي، ثم تأتي بعد ذلك الأخبار أسرع بأن الطلب قد تم رفضه من الرياض، فتذهب الخواطر أدراج الرياح.. ويذهب معها المقال!


وفي الوقت الذي تستعد فيه لإرسال مقال عن تصريحات وزير التربية، والذي خلط فيها الحابل بالنابل، وتهجم على مؤسسة تعليمية كبرى (التطبيقي) بكلام فئوي وإقصائي، وتحدث بكلام ملتبس عن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، تأتي الأخبار بأن الوزير يقوم بمحاولات "ترقيعية" لإصلاح ما يمكن إصلاحه مما قاله في لقائه مع جريدة القبس، فتضطر إلى عدم إرسال المقال!

  وتتوارد الخواطر لكتابة مقال عن مناورات علي عبدالله صالح، وخبثه السياسي، وانتقاله من تحالف إلى آخر، وإتقانه اللعب على تناقضات مجتمعه، فتأتي الأخبار سريعا بأنه يطلب خروجا آمنا له ولأسرته، واستعداده للتعاون مع التحالف الخليجي، ثم تأتي بعد ذلك الأخبار أسرع بأن الطلب قد تم رفضه من الرياض، فتذهب الخواطر أدراج الرياح.. ويذهب معها المقال!

وهكذا في كل قضية تعزم على الكتابة فيها، فلا يكفي جمع المعلومات وتحليلها، بل يجب التأكد من أنها لم تصبح قديمة، فأحيانا يكون العمر الافتراضي للمعلومة لا يتجاوز الساعات القليلة، لتنتقل بعدها إلى سجلات التاريخ، ويتجاوزها الواقع سريعا، وهكذا يظل الكاتب يلاحق المعلومات، ويعيش في حالة ترقب دائم، مما يضطره إلى الكتابة في العموميات، وأحيانا يعيش حالة من الارتباك بسبب ذلك الطوفان المتدفق من المعلومات، الذي تعثر فيه على المعلومة ونقيضها في نفس الوقت، وهذا ما صعّب مهمة كاتب المقال الذي عليه أن يراقب المستجدات بحذر، وينتقي من بين المعلومات الأصح ليبني عليها تحليلا، يبطل مفعوله عند أول معلومة جديدة حول موضوعه.. فيارب لطفك!


الثلاثاء، 28 أبريل 2015

تدمير البيئة السياسي



يبدو لي أن هناك تدابير مُمنهجة لتدمير الحياة السياسية في الكويت، فبعد أن تَخلّت السلطة عن أسلوبها القديم في تعطيل العمل بالدستور، وتعليق الحياة البرلمانية بشكل مباشر وصارخ، أصبحت تلجأ إلى إفراغ الحياة السياسية من مضامينها الرئيسية، والمتمثلة في القيم الديمقراطية التي يقوم عليها الحكم الرشيد، من سيادة للقانون، وتحقيق مبدأ المواطنة، وتنظيم العمل السياسي بما يضمن تشكيل كُتل نيابية كبيرة تحقق أغلبية برلمانية، تتيح لها تشكيل حكومة تُمنح الثقة بناء على برنامج عمل تم طرحه في الانتخابات.


 تَمثل الأسلوب الجديد للسلطة في تفكيك الحياة السياسية من الداخل، وإفراغها من محتواها، فيزالممارسات الحكومية المختلفة، عبر الهروب من استحقاقات الرقابة الشعبية في الاستجوابات، فتارة تحيله للمحكمة الدستورية، وأخرى للجنة التشريعية، وثالثة برفع كتاب عدم تعاون، وغيرها من الحيل السياسية تحت ذرائع دستورية، تُمثل التفافا على مواد الدستور، بما يناقض مقاصده الرئيسية وتوجهاته العامة.


 وقد بلغ تدمير البيئة السياسية ذروته في مرسوم الصوت الواحد، حيث عزز كل الأمراض الإجتماعية التي يعاني منها الوطن، وأخرجها على السطح، فقد رسخ الفردية في التمثيل السياسي، وخفّض عدد الأصوات المطلوبة للنجاح، فصار المرشح بحاجة إلى أصوات أقل، يستطيع أن يحصل عليها من "فخذ القبيلة" والعائلة، وجزء من الطائفة، والمنطقة السكنية، لتخرج لنا كائنات انتخابية يُطلق عليها فيما بعد "ممثلوا الأمة"!

 المصيبة أنه بعد أن شهدنا الكوارث التي حلّت بالبلد من وراء الصوت الواحد، الذي قسّم المقسّم، وجزّأ المجزأ، وفتَّتَ المجتمع ودمّر الحياة السياسية، نشهد توجها نحو تعميم هذا النموذج السيء على بقية المؤسسات القائمة على الانتخاب، ليصبح -بكل ما يحمله من عيوب- فلسفة عامة في مؤسسات الدولة، فبعد أن صار الصوت الواحد واقعا مرا في النظام البرلماني، تم استنساخه للجمعيات التعاونية، ويجري الآن التحضير لاستنساخه في الأندية الرياضية والاتحادات الطلابية، ليتم القضاء على ما تبقى من أمل في استعادة الحياة السياسية لعافيتها، وتدمير آخر معاقل الأمل التي تمثل الشباب، والتي يفترض أن تخرّج للمجتمع العناصر الحية التي تتقدم به إلى الأمام..

 عندما تقوم السلطة بفرض هذا النموذج في مختلف مؤسسات الدولة فإن هذا مؤشر على شعورها بحالة من الضعف، على عكس ما يتوهمه البعض، فلأن السلطة تدرك بأنها ضعيفة؛ فهي تقوم بإضعاف الشعب عبر تفتيت مكوناته لتدمير حياته السياسية، حتى لا يُعطى الفرصة لفرض إرادته، وتحقيق سيادته.


 المؤسف في الأمر أنه كان من المفترض بعد خمسين عاما من الحياة الدستورية أن نتحدث عن تطوير لهذه التجربة، أو على الأقل الحفاظ عليها، لكن الحاصل أننا أصبحنا نتحدث عن كيفية إيقاف التدهور والتردي الذي أصبحت تعانيه، ولا ندري في أي قاع سيقف بنا!

الأحد، 19 أبريل 2015

الظهر الخليجي المكشوف.. إلى متى؟

ملاحظة: هذا المقال تم نشره في جريدة القبس الكويتية هنا

قيل في المثل: قبل صعود السلم، تأكد من الجدار الذي يستند عليه.

 تلك خلاصة الدرس الذي يجب على دول الخليج الاستفادة منه بعد عقود طويلة من تجاربها في بناء تحالفات مع أنظمة سياسة عربية، راهنت عليها لكنها خسرت الرهان، فانقلبت تلك الأنظمة عليها، وعضت الأيدي التي احتضنتها، ولم يعد في وسع دول الخليج إإلا أن تقول:

وكم علمتُهُ نَظْمَ القوافي *** فلما قال قافيةََ هجاني

 هذا ما حصل لنا مع نظام صدام حسين، وتكرر ذات الأمر مع المخلوع علي عبدالله صالح، الذي تخوض دول الخليج حاليا حربا عليه بعد أن ضمنت له خروجا آمنا من موجة الثورة اليمنية التي كادت أن تقضي عليه، وقد وفّرت له المملكة العربية السعودية العلاج اللازم بعد إصابته في محاولة الاغتيال الذي تعرض لها، إلى أن عاد إلى اليمن ليتحالف مع الحوثيين، المدعومين من الخصم التقليدي لدول الخليج، وهناك تجارب أخرى مرشحة للتكرار إذا استمر هذا النوع من الدعم لأنظمة مشابهة، فمتى ستتخلى دول الخليج عن هذه السياسة الخارجية في بناء تحالفات مع أنظمة لا تمتلك عوامل البقاء، ليبقى ظهر الخليج مكشوفا!

 تعددت مبررات الدول الخليجية في دعم هذه الأنظمة، لكن هذه مبررات ما كانت لتوجد لولا بعض نقاط الضعف التي تعاني منها الدول الخليجية، ولعل أبرز تلك النقاط طبيعة أنظمتها السياسية التي تفتقر للمشاركة الشعبية الحقيقية، بالإضافة إلى الملاحظات السلبية التي تبديها منظمات حقوق الإنسان العالمية بين الفينة والأخرى، وكانت هذه القضايا تمثل مصدر ازعاج لها، ومدخلا لابتزازها، كما حصل مؤخرا عندما اعتبر الرئيس الأميركي أوباما أن "الخطر الذي يتهدد الخليج مصدره سخط الشباب داخل بلادهم"، وبالمثل تقوم إيران باللعب على وتر الأقليات الطائفية في المنطقة، رافعة شعار حماية حقوق تلك الأقليات كما تدعي، ومن المتوقع أن نشهد المزيد من تلك المزايدات من الطرفين، وخصوصا بعد الاتفاق الإيراني الأميركي حول البرنامج النووي ورفع العقوبات الاقتصادية.


 لكي تغلق دول الخليج الباب نهائيا في وجه تلك المزايدات الخارجية، ولكي لاتضطر لبناء تحالفات مع أطراف تقلب ظهر الـمِجَن عند أقرب فرصة، فإنها مطالَبة بالقيام بخطوات تاريخية نحو إعادة ترسيم سياساتها الداخلية، باتجاه منح شعوبها مساحات واسعة من الحريات السياسية، ومعالجة ملفات حقوق الإنسان المتخمة، والأجواء حاليا مناسبة، وخصوصا أن عاصفة الحزم قد رسمت صورة جديدة لدول الخليج، توحي بأنها قادرة على قيادة سياستها الخارجية باستقلالية وحزم، فمن المناسب أن تكتمل هذه الصورة برسم سياسات داخلية تتناسب مع تلك الصورة الخارجية، وتعززها وتمنحها قدرا من الاستقلالية، ولا تجعلها مادة للتوافقات الإقليمية والدولية.

هشاشة أوضاعنا الداخلية


ملاحظة: هذا المقال تم نشره بجريدة القبس الكويتية
http://www.alqabas.com.kw/Articles.aspx?ArticleID=1039856&isauthor=1

"إن المصائب يَجْمعنَ المصابينا" شطر بيت لأحمد شوقي يعبر عما هو ثابت ومستقر بين الناس، فمن المعروف أنه  في ظل المصائب والظروف الاستثنائية تتوحد الجبهة الداخلية، ويتناسى الناس خلافاتهم، أو يؤجلونها بعض الوقت، إلى أن تستقر الأمور، لكن الأحداث الأخيرة التي عصفت بعالمنا  منذ بداية الربيع العربي وإلى يومنا هذا، والتي ألقت بظلالها علينا في الكويت من خلال محطتها الأخيرة في الحرب على الحوثيين، كشفت عن حالة من الهشاشة المجتمعية، والقابلية المفرطة للانقسام الحاد عند أي أزمة، فما أن يستجد أمر حتى ينقسم الناس إلى "فسطاطين" ويأخذ كل طرف موقعه، ويرسل كل فسطاط إلى الآخر رسائل الإقصاء والتخوين والتهم المعلبة وتسجيل النقاط على الخصوم، ويتم ذلك بشكل آلي دون حاجة إلى التفكير بمجريات الأحداث، أومحتوى الخطاب، وعواقبه على البلاد والعباد!

من خلال تسجيل هذه الملاحظة فإنني لا أنشد المثالية، ولا أفترض أن يكون الناس على رأي واحد، فهذا لن يحصل -ويجب أن لا يحصل- لكن الذي يستحق الملاحظة والتنبيه هو حجم الاحتقان المجتمعي الذي يصاحب عملية الاختلاف، والذي يؤدي إلى ما يشبه "الانشطار الطولي" للمجتمع، يقوم من خلاله كل طرف باستدعاء كل ما في جعبته من مفردات الإقصاء، والذي ينتهي غالبا بتحريض السلطات على الطرف الآخر، والتصفيق لها عند اتخاذ إجراءات ضده.

هذه الهشاشة في البنية الداخلية لم تصنعها الأحداث بقدر ما كشفتها ورفعت الغطاء الساتر عن وجهها الذي ظل كل طرف يُجمّله بمساحيق المجاملات الباردة، ويدّعي المثالية في نظرته للآخر، ولكن إن كان شطر بيت شوقي "إن المصائب يجمعنا المصابينا" لم يعد يصدق علينا، فإن "الشدائد تُظهر معادن الرجال" هو المثل الأصدق على مجتمعنا في هذه الحالة، فالشدائد التي مرت بالمنطقة، والتي كان لنا نصيب منها أظهرت أمراض المجتمع، ونقلتها من القاع لتجعلها في الواجهة، وطافية على السطح.

  وإذا كانت "المنح تأتي على ظهر المحن" فإن انكشاف هشاشة الوضع الداخلي هو المنحة التي ساقتها لنا الأحداث العاصفة بالمنطقة، فمهما كانت الأمراض مستوطنة في جسد المجتمع فلابد أن تظهر بشكل جليّ حتى يمكن علاجها، ولذلك من الواجب استثمار هذه الأحداث التي كشفتنا من أجل ترميم أوضاعنا الداخلية بصورة سليمة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، قبل أن تشتد العواصف أكثر في المنطقة، والتي بلا شك ستنعكس على البلد - إن لم يكن جزءا منها- فإن جاءتنا ونحن على هذا الحال "الانشطاري" فستخطَفُنا الطير.. أو تهوي بنا الريح في مكان سحيق.. لا قدر الله!

الخميس، 26 ديسمبر 2013

تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب (2)



للاطلاع على الجزء الأول: تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب: إضغط هنا


تأتي الاستقالات التي تقدم بها ثلاثة من الوزراء في حكومة أردوغان في سياق الأزمة السياسية التي تعصف بتركيا هذه الأيام، والتي فجّرها الصراع بين أردوغان وحلفائه السابقين من جماعة "فتح الله كولن" الدينية ذات الميول الصوفية، بعد أن أوقف أردوغان دعم المدارس الخاصة التابعة للجماعة..

أسفرت هذه الأزمة عن اتهامات بـ "فضائح فساد" طالت أقارب وزراء في حكومة أردوغان، وألقي القبض على بعضهم من قبل الأجهزة الأمنية التي تحظى جماعة "كولن" بنفوذ واسع فيها.

بطبيعة الحال فإن فضائح الفساد التي تطال المسؤولين تحصل في العديد من الحكومات في الأنظمة الديمقراطية المستقرة، والتي تحمل قدرا عاليا من الشفافية، وهذا لا يقلل من خطورة الفساد، أو يعد مبررا له، ولكن ما يبعث على الطمأنينة أن مثل هذه التهم عندما تكون في إطار أنظمة مستقرة وذات شفافية، وقضاء يحظى باحترام وثقة الجميع، وفإنه يتم معالجتها من خلال مسارين:

الأول: المسار القضائي حيث يتم التحقيق بنزاهة وشفافية، ثم يصدر الحكم القضائي الذي يطمئن له الجميع.

الثاني: المسار السياسي، ويتمثل في مدى اقتناع الرأي العام بتهم الفساد، وهل يستمر في منح الثقة عبر صناديق الاقتراع لمن وُجهت لهم تلك التهم؟

من خلال هذين المسارين يمكن التعامل مع القضايا التي تعصف بالساحة التركية، بعيدا عن تهويل العلمانيين العرب، الذين يتعاملون معها بنفسية المَوْتور [الموتور هو من قُتل له قريب ولم يستطع الأخذ بثأره] وأيضا بعيدا عن التهوين الذي يقوم به بعض المبالغين في الحماس للتجربة التركية، كما لا ينبغي استبعاد سياق تصفية الحسابات، والخصومات السياسية والفكرية التي تحكم وتحرك المشهد برمته.

ليست المصيبة الكبرى في مجرد وقوع الفساد من أي طرف سياسي، لكن المصيبة الأكبر هو في غض الطرف عن الفساد، والتستر عليه، وعدم إفساح المجال للمسارين القانون والسياسي لكي يأخذا حاصلهما في العمل، ولعل بوادر التعامل الجيد مع تهم الفساد تجلت في تصريح الرئيس عبدالله غل حيث قال: لن تجري التغطية على أي فساد في تركيا، وقيام وزراء بتقديم إستقالاتهم، بالإضافة إلى التعديل الوزاري الذي قام به رئيس الوزراء يوم أمس، والذي أكد بأنه لن يتسامح في قضايا الفساد، لأن غض الطرف عنها يعني هدم المبادئ التي من أجلها قام الحزب.

تقع ردود الأفعال تلك في خانة "التصرفات المسؤولة" من قِبل الحكومة التركية، وتعتبر تفاعلا جيدا مع الحدث، ويبقى الأمر الآن في عهدة  القضاء ليقول كلمته في المتهمين، وعند الرأي العام التركي ليقول كلمته في من يدير هذه الحكومة، وفي جميع الأحوال ستكون هذه الأزمة بكل تداعياتها رصيدا في يصب في صالح تجربة حزب الحرية والعدالة ذي الجذور الإسلامية!

نعود إلى لعلمانيين العرب الذين وجدوا في هذه الأزمة فرصة كي يستعرضوا مركبات النقص التي يعانون منها، وبالتالي فلن يلتفتوا إلى أي إجراءات تمت –أو ستتم- في التعامل مع هذه الأزمة، ولن يقفوا عند أي أبعاد أخرى للقضية، فالمسألة بالنسبة لهم هي: تهم تمثل صيدا سمينا، فيجب استغلالها بأقصى ما يمكن للتشهير بحكومة أردوغان، وتلويث تجربته، ولا يهم أي شيء آخر!


وعين الرضى عن كل عيب كليلةٌ *** كما أن عين السخط تبدي المساويا


الأربعاء، 25 ديسمبر 2013

تركيا.. وبكائيات العلمانيين العرب!



يتلقى العلمانيون العرب (قوميون، يسار، ليبراليون...) أي خبر سلبي عن تركيا بالتصفيق والتهليل ويطيرون به في الآفاق، كنوع من تعزية النفس، بعد فشل العديد من تجاربهم في الدول العربية والإسلامية، وأصبحوا يعانون من عزلة شعبية، حيث لم يستطيعوا الوصول إلى مراكز القرار إلا عن طريق دبابات العسكر، أو في ظل حكومات استبدادية أو عشائرية، نتيجة فشلهم في الحصول على الثقة الشعبية في العديد من اختبارات الصناديق، لذلك فإنهم يتعاملون مع أي إخفاق لحكومة أردوغان –ذات الجذور الإسلامية- بحفاوة عالية!


لا شك أن حكومة أردوغان – ذات الخلفية الإسلامية- استطاعت أن تنقل تركيا نقلات نوعية على مستوى العديد من الأصعدة داخليا وخارجيا، فقد عززت من الاقتصاد التركي، وقفزت بمستوى دخل المواطن قفزات كبيرة، كما استطاعت أن تجعل من تركيا رقما صعبا في المعادلة الدولية، ولاعبا رئيسيا في ساحة المجتمع الدولي، إضافة إلى ذلك عززت هويتها الإسلامية  -ولعل هذا أكثر ما أزعج العلمانيين- وتصالحت مع الثقافة العربية، بعد أن كان غاية  طموحها أن تكون في ذيل أوربا، كما أنها حجّمت دور العسكر في الحياة السياسية التركية، والذي كان حاميا للعلمانية المتوحشة التي ظلت تحكم تركيا لعقود، والذي يبدو أنه لم تثِر حفيظة العلمانيين العرب!


هذه الحقائق من الصعب تجاوزها او تهميشها، ولا شك أنها تصب في صالح حكومة أردوغان، ولا ينكرها إلا مكابر، كما يفعل العديد من العلمانيين العرب اليوم، عبر تباكيهم في أي أزمة تمر بتركيا، والسعي لشيطنة الحكومة التركية من خلال هذه الأزمات!

حكومة أردوغان ليست هي الجنة الموعودة، ولا يصح التعامل معها على أنها الخير المطلق، ولا يمكن إنكار إخفاقها في لديها العديد من الملفات، لكن من التضليل الواضح أن نجعل هذه الإخفاقات هي واجهة التجربة السياسية لحكومة أردوغان، وإنما الموضوعية والإنصاف تجعلنا نقيم التجربة من خلال أسئلة محددة، مثل:


- كيف كانت تركيا قبل حكم حزب العدالة والتنمية على الصعيد السياسي  الدخلي،والاقتصاد، والسياسة الخارجية؟


-   أين وصلت تركيا بعد حكم العدالة والتنمية في تلك الأصعدة ؟


-    ماهي أبرز التحديات التي كانت توجه الحزب عند تسلمه للسلطة؟


- هل استطاع التغلب على تلك التحديات؟


نستطيع من خلال الأسئلة الدقيقة أثناء التقييم أن نكون أقرب للموضوعية في الحكم على التجربة، كما أن مثل هذه الأسئلة تقطع الطريق على العلمانيين العرب الذين يصنعون من كل أزمة تركية "بكائيات" يسترون من خلالها فشلهم وخيبتهم!




وللحديث بقية


الثلاثاء، 6 أغسطس 2013

زكاة الفطر نقدا




في مثل هذه الأيام من كل عام تثور نزاعات فقهية حول مسألة "حكم إخزاج زكاة الفط نقدا" وليس عيبا أن تكون هناك اختلافات فقهية، لكن المحزن أن تتحول تلك الاختلافات إلى مادة للصراع، والقطيعة، وتبادل الاتهامات، والتشكيك في النوايا، والخروج عن أدب الخلاف العلمي الذي يتسم به الراسخون في العلم، الذين يجسدون مقولة "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"

لذلك فإن هناك العديد من المسائل الفقهية لا يمكن حمل الناس فيها على قول واحد، وأحسب أن الخلاف حولها سيستمر إلي قيام الساعة، فقد بسط كل فريق أدلته، ورد على أدلة الطرف المخالف، وتبادلوا الردود حول وجه الدلالة في كل دليل، وأخذت المسألة حاصلها من النقاش، وبقي كل فريق علي رأيه، فما العمل بعد ذلك؟

لا بديل عن القبول بمثل هذا الخلاف، وتقبل المخالفين، وبإذن الله سيكون الفريقان ما بين الأجر والأجرين بعد أن استفرغوا وسعهم في معرفة مراد الله عزوجل، وكانوا أهلا لذلك، فإنهم لا يأثمون بهذا الاجتهاد، بل هم بين أجر وأجرين، فلا تأثيم في مسائل الاجتهاد، و لا تهاجر بين المؤمنين.. كما قال ابن تيمية

وبهذه المناسبة أرسل لي أخي الشيخ يوسف المهينيي @almaheni وهو باحث دكتوراة في السنة النبوية مقالا مختصرا في هذه المسألة يشرفني أن أضعه بين أيديكم هنا..:





سأتكلم عن مسألة يدور حولها الجدل في كل رمضان عن حكم إخراج زكاة الفطر نقداً فأقول مستعيناً بالله في المسألة قولان :

 القول الأول : هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بأنه لا يجوز إخراجها نقداً لـ :
 
1- ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من إقط أو من زبيب" متفق عليه.

2- قالوا رسول الله حددها وبينها والعدول عن الأصناف المذكورة عدول عن المنصوص.

3- كذلك الخروج عن الأصناف المذكورة فيه مخالفة لفعل الرسول وصحابته الكرام من كونها شعيرة ظاهرة إلى شعيرة خفية.
 


القول الثاني : هو قول الحنفية ورواية عن الإمام أحمد من جواز إخراجها نقداَ لـ :
 
1- قول الله تعالى : "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها"، قالوا الآية عامة تعم كل أصناف الزكاة والصدقات" رواه البيهقي.

2- حديث ابن عباس قال قال رسول الله : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، قالوا فالمقصود منها حصول الإغناء سواءً كان بالطعام أو بالمال.

3- قالوا أما تحديد الأصناف الواردة في الحديث بأنها من باب التيسير على المزكي وليست من باب بيان أن الزكاة الفطر لا تصح إلا بها.


 
تحرير محل النزاع يكون فيما يأتي :
 
1- لماذا لم يأمر الرسول بإخراجها نقداً؟

الجواب : لأن الأموال لم تكن متوفرة في زمنه صلى الله عليه وسلم، فكان الناس يبيعون ويشترون بما يعرف "بالمقايضة" وغيره، لذا أعرض الرسول عن ذكر القيمة وذكر الميسور.
 
خذ على سبيل المثال الرواتب في ذلك الزمان لم تكن مالاً فأبوبكر رضي الله عنه كان راتبه نصف شاه في كل يوم، وعلي بن أبي طالب عمل عند إمرأة بمرتب تمرة مقابل كل دلو يسحبه لها من البئر فتأمل.



2- المال اليوم هو الأحض والأنفع والمطلوب للفقراء، لذا قال رسول الله أغنوهم عن السؤال وهو حاصل بالمال قطعاَ.



3- أما قول الجمهور بأن إخراجها نقداً خروج عن المنصوص فأنتم كذلك قد خرجتم عليه وفهمتم من الأصناف المذكور بأنها غالب قوت البلد، وهذا ليس من النص بل هو فهم عن النص، فالرز الذي نخرجه اليوم في زكاة الفطرة لم يكن معروفاً في عهد رسول الله بل عرفه الصحابة في فتح فارس في عهد الفاروق عمر.



4- أما ما يحصل اليوم بأن نشتري الرز بقيمة 10 دنانير ونعطيها الفقير فيبيعها على التاجر بـ 8 دنانير فهذا من العبث والإضرار في حق الفقير الذي لا تقره قواعد الشرع ومقاصده.



جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر ذهب إليه : الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف  ورواية عند أحمد وإليه ذهب ابن تيمية.

أخيراً الذي أطمئن إليه بعد كل ما تقدم هو إخراجها نقداً لأنه الأحض للفقير وفيه حفظ لحقه من العبث

والله أعلى وأعلم.

الخميس، 25 يوليو 2013

مقال ممنوع!



د. وائل قنديل المتحدث الرسمي السابق لحزب الدستور الذي يرأسه البرادعي، ومدير تحرير جريدة الشروق المصرية  يكتب مقالا  يهاجم فيه الإنقلاب، ويفضح سلوك الإنقلابيين، فيتم منع المقال من النشر بالأمر العسكري.. 

وقد  اعربت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان اليوم,عن اسفها الشديد لقيام جريدة “الشروق” المصرية  بمنع نشر مقال قنديل  في عدد اليوم ، واعتبرته خطأ كبيرا لم يعتده القراء من أحد أهم الجرائد المصرية التي تمتعت بمصداقية كبير، ينبغي اصلاحه حفاظا على المهنية والمصداقية.

لا أدري كيف يفكر الرقيب في هذا العصر؟!

ففي ظل الفضاء المفتوح، والقدرة اللامحدودة على التواصل والاتصال، وتوفر الإعلام البديل، ووسائل التواصل الاجتماعي، يصبح منع مقال من النشر أشبه بالحرث في الماء، فبجرد منع المقال من النشر في الصحيفة، تم تداوله بشكل رهيب في الانترنت، و وسائل التواصل والاتصال، وربما أصبح عدد قارئيه أضعاف ما لو تم نشره في الصحيفة.. !


..إلى المقال..
----------------------------------------------------------------

قالوا فى تسويغ الانقلاب إنه لإنقاذ البلاد من جحيم الحرب الأهلية، لكنهم بعد أيام قلائل كانوا يغذون ماكينة الاحتراب المجتمعى بكميات خرافية من الوقود المحمول فوق خطاب عنصرى يتفوق فى بشاعته على المكارثية الأمريكية فى الخمسينيات.

زعموا أنهم ينقلبون على أول رئيس منتخب فى تاريخ مصر من أجل حقن الدماء وحماية الأرواح، لكنهم فى غضون أيام حصدوا أرواحا أكثر مما خسرته مصر فى عام كامل، والأكثر بشاعة أن القتل الآن صار على الهوية وعلى اللحية والنقاب، تحت مظلة من التحريض والتبرير والتفرقة العنصرية بين دم ودم.

إن مصر تعيش الآن حالة عنصرية شوفينية بامتياز، تجعلنا قريبين للغاية من قيم الهولوكوست والتطهير العرقى، بعد أن انتقلنا من شوفينية سياسية تقوم على استباحة المختلفين واستئصالهم وإزاحتهم من المشهد السياسى، إلى عنصرية مجتمعية متعصبة تضخ خطابا ينفى المواطنة والإنسانية عن قطاعات واسعة من المصريين، ويضعها فى مرتبة الأعداء يجب إبادتهم واجتثاثهم.


إنها تلك اللعبة غير الأخلاقية التى تقوم على صناعة عدو تلصق به كل الشرور والآثام، وتعلق عليه الأخطاء والكوارث السابقة والحالية، باختصار يتم تصويره فى حالة شيطانية كاملة، لكى ينعم من عداه بحالة ملائكية مزيفة، تفتح المجال للفسدة والمطبعين والمجرمين لكى يغسلوا تاريخهم ويداروا سوءاتهم ويدفنوا فضائحهم وجرائمهم.


إن ما يجرى من استباحة لدماء المصريين واسترخاص حياتهم وامتهان حقوقهم كموتى بعد قتلهم، ليس له تعريف سوى أنه ردة حضارية عنيفة وانسلاخ من قيم تجسد الحد الأدنى من الفطرة الإنسانية السوية.


لقد نجح الانقلابيون فى استدعاء الجزء المعتم من الوجود الإنسانى، وإطلاق أسوأ ما فى الشخصية المصرية من نوازع وحشية، بحيث صار المجتمع يمور برغبات الانتقام والتلذذ بالدماء، واستعذاب التضليل والتزييف وقلب الحقائق، لينعم المجرم بإجرامه، ويساق الضحايا إلى الجحيم.


ومن لا يرى فيما جرى للمعتصمين فى ميدانى نهضة مصر ورابعة العدوية جرائم ضد الإنسانية، فليمنح نفسه فرصة صغيرة للاختلاء بضميره لدقائق معدودة، ليدرك أن هناك رعاية رسمية للمكارثية والعنصرية على الطريقة المصرية.


السبت، 20 يوليو 2013

التجربة الإسلامية.. فشل أم إفشال؟!

بعد أحداث مصر الأخيرة، بدأ بعض الكتاب بمحاولة تقييم تجربة الإسلاميين في العالم العربي مع السلطة، وبعد محاولة التقييم يكون الميل إلى الحكم على تجربتهم بالفشل، فلا يوجد حركة إسلامية عربية استطاعت أن تعطي نموذجا مُعتبرا للمشروع الإسلامي في إدارة السلطة!


من الضروري قبل الحكم على التجارب بالفشل أن نفرق بين الفشل والإفشال.. فالفشل يكون عندما يُعطى للتجربة حاصلها الزمني من العمل في الفضاء السياسي، ثم يتم تقييمها بشكل موضوعي بعد فترة زمنية كافية، وقياس نسبة النجاح والفشل في الأداء وفقا للمعطيات على أرض الواقع، عند ذلك يمكن الحكم عليها بالفشل، أما عندما يتم التربص بالتجربة، ومواجهتها بأساليب غير أخلاقية، والعمل على الإطاحة بها بشتى الوسائل الشرعية وغير الشرعية، كاختلاق الأكاذيب حولها، وشن حملات إعلامية قذرة لتشويهها، ثم يتوج كل ذلك بتدخل عسكري إنقلابي، فلا يمكن الحكم على التجربة بالفشل، وإنما هذا تعمد إفشال مع سبق الإصرار والترصد!


نعم.. ليس من واجب خصوم الإسلاميين أن يمهدوا الطريق لنجاح التجربة الإسلامية، بل إن من حقهم أن يَبقوا على خصومتهم، ومن حقهم أن يتصدوا لمشروع خصومهم، كما أن من واجب الإسلاميين أن يكونوا مستعدين للعامل مع مختلف التحديات التي تواجه تجربتهم، لكن يُفترض في الخصومة أن تكون في إطار اللعبة السياسية، مع المحافظة –على الأقل- على الحد الأدنى من أخلاقيات العمل السياسي.


التجربة الإسلامية هي فعل بشري، ونسبتها إلى "الإسلام" لا يعطيها قداسة ولا عصمة، بل هذه النسبة تعطيها أولوية في النقد والتقييم، وإذا وصل الأمر إلى الحكم عليها بالفشل وفق التقييم الموضوعي، فمن واجب الإسلاميين الاعتراف بذلك، لكن في نفس الوقت فإن من حق الإسلاميين أن يُعطَوا الفرصة الحقيقية التي تُعطى لأي حزب في النظام الديمقراطي، وأن تتم مواجهتهم بأدوات اللعبة الديمقراطية، أما أن يتم اللجوء إلى التخوين، والافتراء الصريح، والعبث بمصالح المواطن البسيط من أجل تأليبه على الإسلاميين، والاستقواء بعناصر خارجية، ثم التحالف مع العسكر، فإن كل ذلك لا يمت إلى العمل السياسي الديمقراطي والأخلاقي بصلة، ولا يعطي أي مبرر للحكم على التجربة بالفشل!


أخيرا.. كثيرا ما كان يتخوف خصوم المشروع الإسلامي من أن ينقلب الإسلاميون على الديمقراطية بمجرد وصولهم للسلطة، لكن الواقع والتاريخ أثبتا أن مَن كان يطرح تلك المخاوف هو الذي انقلب على الديمقراطية واستعان بالعسكر، أو برر تلك الاستعانة، عندما وصل الإسلاميون للسلطة بخيار شعبي حر.. ولله في خلقه شؤون!

السبت، 13 يوليو 2013

ظاهرة الـ "ناشط سياسي"


"ناشط سياسي" مصطلح بدأ بالانتشار، وصار يُستعمل في نطاق واسع في وسائل الإعلام، ويُطلق بكثرة على كل مهتم بالشأن العام، أو كل من له موقف من قضية سياسية، أو شارك في الفعاليات والأنشطة السياسية! 


نعم.. البعض ينزعج من هذا اللقب - أنا شخصيا أتحسس منه – فهو وصف غير منضبط، وأصبح أشبه بوظيفة مَن لا وظيفة له، وصار يُعطى لمن شاء دون حسيب أو رقيب، ولمن يستحق ومن لا يستحق، وهذا ما جعل الكثير من الذين منحوا أنفسهم هذا اللقب يتصدرون المشهد السياسي، ووسائل الإعلام، دون أن يكون لهم رصيد حقيقي من العمل السياسي ، أو يكون لهم الوعي الكافي، والدراية المعتبرة بالواقع وأصول اللعبة السياسية.


وبالتوازي مع هذه الظاهرة هناك ظاهرة أخرى صاحبت الأحداث في الكويت، وهي كثرة ظهور الحركات السياسية، والتي تظهر بعضها فجأة، ثم تختفي فجأة، دون أن نعرف لماذا ظهرت، ولماذا اختفت؟! ودون معرفة مَن هي قاعدتها الحقيقية، وما هو ثقلها في الواقع، وما هو برنامجها السياسي!


قبل تناول هذه الظاهرة بالتحليل، أظن بأن من البدهي الإشارة إلى أن حق العمل وممارسة النشاط السياسي، وحق إبداء الآراء السياسية مكفول للجميع، ولا ينبغي أن يكون ذلك محل نزاع أو اختلاف، ولكن هذه لا يعني عدم نقد ممارسة ذلك الحق، أو ترشيده وتوجيهه إلى المسار الذي يُفترض أن يسير فيه.


ربما يعتقد البعض بأن الممارسة التي أفرزت لنا ظاهرة "الناشط السياسي" أو كثرة الحركات السياسية الشكلية، تمثل شكلا من أشكال الفوضى، وعدم الانضباط، وخروجا عن أصول وقواعد العمل السياسي الحقيقي، وبصرف النظر عن صواب أو خطأ هذا الاعتقاد يجب أن نعرف ما هي الأسباب التي أفرزت هذه الظاهرة الملفتة للنظر؟!باعتقادي أن هناك عدة أسباب لهذه الظاهرة، منها:


أولا: وجود شعور عام بدأ يتسلل عند شريحة كبيرة من أبناء المجتمع بأن السلطة التي تدير شأن البلد أصبحت عاجزة عن الإدارة بشكل سليم، وأن استمرارها على هذا النهج سيقود بالبلد نحو الهاوية، هذا الاعتقاد جعل عددا كبيرا من الناس يدخلون إلى المعترك السياسي، كمحاولة لإنقاذ الوضع، والتنبيه إلى مكامن الخلل، والتحذير من الوصول إلى مرحلة الإنهيار، فدخول هذا العدد الكبير من الناس إلى الساحة السياسية هو مؤشر على عدم شعورهم بالأمان على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، فلو كانت الإدارة السياسية في البلد تسير بشكل سليم وآمن، لما غصت الساحة السياسية بهذا العدد من الناشطين والحركات السياسية.


ثانيا: عدم وجود قوانين تنظم الحياة السياسية، فالساحة السياسية لا تحتمل الفراغ، فإن لم تكن هناك قوانين منظِّمة للعمل السياسي فإن البديل هو الفوضى، فلو كانت هناك قانون لتنظيم الحياة السياسية على شكل أحزاب أو جمعيات سياسية تكون هي المحضن لأي ناشط أو نشاط سياسي، وتَشترِط لتأسيس التجمع السياسي عددا معينا من المؤسسين (لا يقل عن 300 شخص مثلا) وتشترط إعلان الأهداف والبرامج، ووجود هيكل تنظيمي معلن، وتقديم تقارير إدارية ومالية بشكل دوري، فلو حصل كل ذلك لما وجدنا كثرة ما يسمى بـ "ناشط سياسي" أو حركات سياسية شكلية ليس لها أي ثقل حقيقي.


ثالثا: أن أكثر التيارات السياسية التقليدية أصبحت تعاني من الشيخوخة والتكلس، وانتقلت إليها الأمراض الحكومية، ولم تعد مصدر جذب لأي شخص لديه رغبة في ممارسة العمل السياسي، ولم تعد تلبي طموح الشباب، أو ترتقي إلى مستوى مطالباته.


أخيرا.. إن التذمر من كثرة وجود الحركات السياسية، وانتشار ظاهرة "ناشط سياسي" دون معرفة جذور الظاهرة، وتحليلها بشكل سليم، سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة من التذمر، قد تستغلها السلطة لتشويه ومصادرة حق العمل السياسي..


السبت، 2 يوليو 2011

وعاظ التخدير السياسي






يلجأ الكثير من الوعاظ الإسلاميين والعلمانيين إلى تحميل الناس وزر التخلف الذي تعيشه
مجتمعاتهم، ويمارسون الجلد في حق هؤلاء الناس الذين هم في غالب الأمر ضحايا لسلطة فاسدة، استطاعت أن تفسد كل شيء في البلاد والعباد، في ذات الوقت يتجنب هؤلاء الوعاظ الحديث عن فساد السلطة إلا بكلام فضفاض.. تبرئة للذمة!


الواعظ الإسلامي يُرجع تخلف المجتمع وفساد السلطة فيه إلى ذنوب أفراده ومعاصيهم، وبُعدهم عن الله، وسوء أخلاقهم، وعدم استقامتهم، فيرسم لهم طريق الخلاص من واقعهم السيئ بالاجتهاد في الطاعات، وترك الذنوب والمعاصي.. عندها فقط يصلح أمر السلطة!


أما الواعظ العلماني، فيكيل الاتهامات إلى عقلية أفراد المجتمع وتخلفهم في الفكر والسلوك، فطريق التغيير عنده يكون بتغيير العقليات، والسلوكيات المتخلفة للأفراد، الذين لا يحق لهم أن يتحدثوا عن انحرافات السلطة، حتى يتخلصوا من تخلفهم العقلي والسلوكي، في مقابل ذلك يتجنب كلا الطرفين الحديث بشكل مباشر وصريح عن فساد السلطة، ودورها في إفساد أخلاق الناس ودينهم، وعقولهم وسلوكهم.


هذا الكلام يجرنا إلى الحديث عن إشكالية "التأثير والتأثر بين الفرد والسلطة" فمن الذي يؤثر في الآخر؟ وهل فساد السلطة هو انعكاس لفساد الأفراد؟ أم أن فساد السلطة وسوء إدارتها هو الذي يوجِد الفساد بين الناس؟!


في البداية لا بد من التأكيد على عدم خلو أي مجتمع من فساد بين أفراده، مهما كان هذا المجتمع صالحا، وسلطته ملتزمة، فالفساد موجود ما دام الإنسان - بكل نقائصه وغرائزه- موجودا، لكن حديثنا هنا عن تجاوز الفساد للحد الطبيعي بحيث يصبح هو الأصل الذي يتطبّع عليه المجتمع، وربما يبرره ويشرعنه.


هذا التأكيد يجعلنا نفوّت الفرصة على أولئك الذي يجعلون من مجرد وجود الفساد الطبيعي بين أفراد المجتمع ذريعة لوقوفهم في وجه أي دعوات للإصلاح السياسي، بحجة أنه لا بد للمجتمع أن يُصلِح نفسه، ويتخلص من عيوبه ونقائصه، بعد ذلك يمارس الدعوة للإصلاح السياسي، متناسين دور السلطة في تحجيم الفساد ومحاصرة الانحراف.. نعم ربما لا تكون السلطة هي مُنشىء هذا الانحراف في كل الأحوال، لكن مجرد سكوتها عنه يُعد بمثابة الضوء الأخضر الذي يعطيه قبولا بين الناس.. هذا إذا لم تمارس السلطة دورا فعليا في إيجاده ونشره وحمايته كما هو الحال في كثير من الأحيان.


يستدل هؤلاء الوعاظ بالأثر المشهور الذي يقول: "كما تكونوا يولى عليكم"، ورغم أن هذا الأثر لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن في سنده انقطاع، إلا أن معناه – على افتراض صحة سنده – يختلف تماما عن مقصود من يستدل به؛ فهذا الأثر يُفهم على أنه يفترض في السلطة والولاية أن تكون تعبيرا حقيقيا عن إرادة الأمة، بحيث تكون السلطة انعكاسا لهذه الإرادة، بينما لا يكاد يوجد في العالم العربي – الذي أدمن على هذا الأثر – سلطة تعبر بصدق عن إرادة الأمة دون تزييف أو تحريف، فإذا كانت السلطة هي التعبير الحقيقي عن إرادة الأمة فهنا فقط يحق لمدمني هذا الأثر أن يستدلوا به.


إن التخلف والانحراف الذي تُنشئُه السلطة ينسحب حتى على تفسير النصوص، بحيث تصبح داعمة لهذا الانحراف، بينما يمكن فهم هذا الأثر بأنه يدعو إلى عدم الرضى بالانحراف، فـ (كما تكونوا) في قبولكم وسكوتكم ومتابعتكم للفساد (يوَلّى عليكم) من يسايركم ويقبل بما تقبلون، فهذا النص فيه توجيه إلى عدم الرضى والقبول، وهو مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكون أمراءُ، فتعرِفون وتنكِرون، فمن عرف بَرِىء، ومن أنكر سَلِمْ، ولكن من رضي وتابع" رواه مسلم، فالإثم والعقوبة على من رضي وتابع – كما قال النووي- وذلك لأنه يكرس الفساد، ويعزز الانحراف، فكان الواجب الرفض والإنكار والتقويم.


إن الذين يستدلون بهذا الأثر، ويتشبثون بالفهم المغلوط له يتجاهلون قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه – في البخاري - عندما سألته امرأة: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء اللهُ به بعدَ الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامَت بكم أئمتُكم، فعلّق -أبوبكر- استمرار الصلاح في الناس على صلاح الأئمة والأمراء.


إن الفساد إذا عَمّ، وأصبح مُمَنهجا، وخرج عن حده الطبيعي الذي تحتمه الطبيعة البشرية، وأصبح له رُعاة ودعاة، فإن السلطة السياسية هي المسؤول الأول عنه، ولا يمكن تبريره بقابلية الناس له؛ لأن هذه القابلية ستظل موجودة ما دام النقص البشري موجود، والنفوس البشرية لا تنقاد فقط بالوازع الداخلي، فإن الله يزَعُ بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.. كما قال عثمان بن عفان .


لقد أدرك السلف (الصالح!) أن فساد المجتمع هو انعكاس طبيعي لفساد سلطته الحاكمة، فعندما جيء بالغنائم الثمينة من بلاد الفرس ووُضعت أمام الخليفة عمر بن الخطاب، تعجّب من أمانة الجند الذين أوصلوا هذه الغنائم، فقال: إن قوما أدوا هذا لذَوو أمانة، فرَدّ عليه علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين إنك عففت، فعفت الرعية، كما كتب عمر بن الخطاب في إحدى وصاياه: إن الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا.


رجائي أن يكف محترفو الوعظ الديني والعلماني عن جلد مجتمعاتهم، وتحميلها أكثر مما تحتمل، وأن يوجهوا تلك السياط إلى مكانها الصحيح على ظهر السلطة، وأن يدركوا جيدا قول علي بن أبي طالب: الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم في التمثيل والتلقي والتقليد.




ملاحظة: تم نشر هذا المقال في جريدة سبر الالكترونية



- Posted using BlogPress from my iPad