الثلاثاء، 6 أغسطس، 2013

زكاة الفطر نقدا




في مثل هذه الأيام من كل عام تثور نزاعات فقهية حول مسألة "حكم إخزاج زكاة الفط نقدا" وليس عيبا أن تكون هناك اختلافات فقهية، لكن المحزن أن تتحول تلك الاختلافات إلى مادة للصراع، والقطيعة، وتبادل الاتهامات، والتشكيك في النوايا، والخروج عن أدب الخلاف العلمي الذي يتسم به الراسخون في العلم، الذين يجسدون مقولة "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"

لذلك فإن هناك العديد من المسائل الفقهية لا يمكن حمل الناس فيها على قول واحد، وأحسب أن الخلاف حولها سيستمر إلي قيام الساعة، فقد بسط كل فريق أدلته، ورد على أدلة الطرف المخالف، وتبادلوا الردود حول وجه الدلالة في كل دليل، وأخذت المسألة حاصلها من النقاش، وبقي كل فريق علي رأيه، فما العمل بعد ذلك؟

لا بديل عن القبول بمثل هذا الخلاف، وتقبل المخالفين، وبإذن الله سيكون الفريقان ما بين الأجر والأجرين بعد أن استفرغوا وسعهم في معرفة مراد الله عزوجل، وكانوا أهلا لذلك، فإنهم لا يأثمون بهذا الاجتهاد، بل هم بين أجر وأجرين، فلا تأثيم في مسائل الاجتهاد، و لا تهاجر بين المؤمنين.. كما قال ابن تيمية

وبهذه المناسبة أرسل لي أخي الشيخ يوسف المهينيي @almaheni وهو باحث دكتوراة في السنة النبوية مقالا مختصرا في هذه المسألة يشرفني أن أضعه بين أيديكم هنا..:





سأتكلم عن مسألة يدور حولها الجدل في كل رمضان عن حكم إخراج زكاة الفطر نقداً فأقول مستعيناً بالله في المسألة قولان :

 القول الأول : هو قول الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة بأنه لا يجوز إخراجها نقداً لـ :
 
1- ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : "كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعاً من إقط أو من زبيب" متفق عليه.

2- قالوا رسول الله حددها وبينها والعدول عن الأصناف المذكورة عدول عن المنصوص.

3- كذلك الخروج عن الأصناف المذكورة فيه مخالفة لفعل الرسول وصحابته الكرام من كونها شعيرة ظاهرة إلى شعيرة خفية.
 


القول الثاني : هو قول الحنفية ورواية عن الإمام أحمد من جواز إخراجها نقداَ لـ :
 
1- قول الله تعالى : "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها"، قالوا الآية عامة تعم كل أصناف الزكاة والصدقات" رواه البيهقي.

2- حديث ابن عباس قال قال رسول الله : "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم"، قالوا فالمقصود منها حصول الإغناء سواءً كان بالطعام أو بالمال.

3- قالوا أما تحديد الأصناف الواردة في الحديث بأنها من باب التيسير على المزكي وليست من باب بيان أن الزكاة الفطر لا تصح إلا بها.


 
تحرير محل النزاع يكون فيما يأتي :
 
1- لماذا لم يأمر الرسول بإخراجها نقداً؟

الجواب : لأن الأموال لم تكن متوفرة في زمنه صلى الله عليه وسلم، فكان الناس يبيعون ويشترون بما يعرف "بالمقايضة" وغيره، لذا أعرض الرسول عن ذكر القيمة وذكر الميسور.
 
خذ على سبيل المثال الرواتب في ذلك الزمان لم تكن مالاً فأبوبكر رضي الله عنه كان راتبه نصف شاه في كل يوم، وعلي بن أبي طالب عمل عند إمرأة بمرتب تمرة مقابل كل دلو يسحبه لها من البئر فتأمل.



2- المال اليوم هو الأحض والأنفع والمطلوب للفقراء، لذا قال رسول الله أغنوهم عن السؤال وهو حاصل بالمال قطعاَ.



3- أما قول الجمهور بأن إخراجها نقداً خروج عن المنصوص فأنتم كذلك قد خرجتم عليه وفهمتم من الأصناف المذكور بأنها غالب قوت البلد، وهذا ليس من النص بل هو فهم عن النص، فالرز الذي نخرجه اليوم في زكاة الفطرة لم يكن معروفاً في عهد رسول الله بل عرفه الصحابة في فتح فارس في عهد الفاروق عمر.



4- أما ما يحصل اليوم بأن نشتري الرز بقيمة 10 دنانير ونعطيها الفقير فيبيعها على التاجر بـ 8 دنانير فهذا من العبث والإضرار في حق الفقير الذي لا تقره قواعد الشرع ومقاصده.



جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر ذهب إليه : الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف  ورواية عند أحمد وإليه ذهب ابن تيمية.

أخيراً الذي أطمئن إليه بعد كل ما تقدم هو إخراجها نقداً لأنه الأحض للفقير وفيه حفظ لحقه من العبث

والله أعلى وأعلم.